سيجورني : دعم باريس “الواضح والمستمر” لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب لحل النزاع المفتعل في الصحراء المغربية

0
229

جدد الوزير الفرنسي، ستيفان سيجورنيه، الاثنين دعم باريس “الواضح والمستمر” لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب لحل النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، وهو ما قد يضع علاقات بلاده بالجزائر على المحك، في مساعي فرنسية لتعزيز التقارب وتسوية الخلافات بين البلدين ما يمهد إلى لاعتراف فرنسا بمغربية الصحراء الذي من شأنه أن ينقل العلاقات إلى مستوى متطور مع شريكها التاريخي في المنطقة.

وقد شكل موقف باريس من الصحراء المغربية أبرز نقطة في زيارة وزير الخارجي وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه للرباط، حيث أكد أنه كان “أبرز نقطة في زيارتي إلى المغرب، ومن خلال مخطط الحكم الذاتي يجب على الرباط أن تعول على باريس، وموقفها الواضح في دعم هذا المخطط”.

وأضاف سيجورنيه، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره وزير الخارجية ناصر بوريطة، أن “فرنسا موقفها واضح، وتريد حل النزاع في إطار مقترح يرضي كلا الطرفين”، مردفا “أن نتقدم في موقفنا في الصحراء يعني أن نتبنى البراغماتية في الملف، مع دعم جهود المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، من أجل إعادة المفاوضات”.




وشرح الوزير الفرنسي موقف باريس من الملف بقوله “أن نحرز تقدما يعني أن هناك تطورا اجتماعيا في الأقاليم الجنوبية، والمغرب قام بحركة تنموية مهمة في العديد من المناطق، ما يعني أن باريس ستدعم جهوده في تنمية الأقاليم الجنوبية، وهذا هو موقف باريس الحالي من النزاع”.

وتابع سيجورنيه “اختيار المغرب كأول زيارة لي إلى المنطقة جاء باعتبار وجود رابط استثنائي، والرئيس ماكرون يريد أن يبقى هذا الرابط”.

وأكد وزير الخارجية الفرنسي أن “ماكرون طلب مني أن أجدد هذا الرابط. والعديد من الوزراء، منهم وزير الاقتصاد، والثقافة، وعمدة باريس، سيزورون المملكة مستقبلا، والعكس صحيح بالنسبة للمسؤولين المغاربة”.

وأوضح أن “خارطة الطريق واضحة في ظل الاستحقاقات المقبلة، في ظل الاحترام المتبادل”، مشيرا إلى أن “الشهور الماضية عرفت محادثات مهمة من أجل تقوية هاته العلاقة”.

وذكر سيجورنيه “هدفنا هو بناء شراكة تمتد على مدى الـ 30 سنة المقبلة، كما أن المغرب تطور كثيرا في ظل حكم العاهل المغربي، ويجب أن نرى التحديات المقبلة بكثير من التبصر، حتى نجاري العالم الذي يتحول بسرعة”.

وأبرز وزير الخارجية الفرنسي “سننظر إلى هاته الوقائع بكثير من الطموح، وشراكتنا ستكون قوية في مجالات الطاقة النظيفة. والرباط يجب أن تعول على باريس من أجل الدفاع على قضاياها ذات الأولوية”.

وتابع “ندعم التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ومن خلال تجربتي في أوروبا سأسعى إلى تعزيز التعاون المغربي الأوروبي”، وزاد “تطرقنا للعديد من القضايا الإقليمية، علما أن المغرب في أفريقيا يسعى دائما إلى السلم والأمن، وفرنسا تسعى إلى التعامل معه في هذا الصدد”.

وختم سيجورنيه قائلا “تطرقنا لمواضيع تقاسم الثروة، ومكافحة الإرهاب، وحقوق الإنسان. وهنا أهنئ المملكة على ترؤس مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة. نحن نريد أن نعمل مع المغرب بكامل الصداقة والاحترام، مع الحفاظ على مصالحنا المشتركة”، لافتا إلى أن “باريس تنتظر زيارة بوريطة، وهي سعيدة بفتح صفحة جديدة من التعاون”.

والتقى بوريطة بسيجورنيه الذي حل اليوم الاثنين بالرباط بعد تأخير 24 ساعة، حيث كان من المنتظر أن يحل مساء الأحد من أجل مناقشة العديد من القضايا، من بينها ترتيب الزيارة المرتقبة للرئيس إيمانويل ماكرون مع العاهل المغربي الملك محمد السادس.

وقال وزير الخارجية ناصر بوريطة خلال المؤتمر الصحافي المشترك أن العلاقات المغربية الفرنسية “غير عادية ومتفردة ولا مثيل لها ومتجذرة في التاريخ وقائمة على مصالح متبادلة وعلاقات قوية”.

ووصف بوريطة العلاقات بين الرباط وباريس بأنها “علاقة دولة بدولة”، يرعاها الملك محمد السادس ويشرف عليها رفقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأساسها المتابعة لرئيسي البلدين.

وأكد بوريطة أن المملكة تعتبر باريس شريكا متميزا على المستوى السياسي والاقتصادي والإنساني “وعلاقاتنا تتجدد وتتطور في المضمون والفاعلية والمقاربة لتساير التطورات التي يشهدها العالم.”

وأضاف “المغرب بفضل رؤية الملك أصبح قطب استقرار وفاعلا أساسيا في شمال أفريقيا والبحر الأبيض والقارة الأفريقية، ويوفر فرصا مهمة لشركائه، لذلك فهو شريك مطلوب ومرغوب”.

واعتبر بوريطة أن العلاقات المغربية الفرنسية “يجب عليها أن تتجدد وفق مبادئ احترام وتنسيق ومتبادل لتكون على حق علاقة دولة بدولة” .

وكشف بوريطة أن مباحثاته مع نظيره الفرنسي كانت تدور رحاها حول التحضير لاستحقاقات قادمة، وتم الاتفاق على زيارات قطاعية متبادلة في الأسابيع المقبلة، وكذلك اتفاقيات تجعل من هذه الاستحقاقات نقطة تحول”.

وبحث وزيرا الخارجية حول قضايا إقليمية، على رأسها الوضع في غزة، حيث وأكد بوريطة أن المغرب يحذر من كل الممارسات والقرارات في المسجد الأقصى.

وكما تباحثا حول كيفية التعامل بشكل مشترك في القارة الأفريقية والساحل كونهما لديها مصالح متقاربة في هذه المناطق.

وقال بوريطة إن المغرب وفرنسا مستعدان للاستفادة من المكتسبات وكيفية تطبيقها مع الواقع الجديد، مجددا تأكيده أن زيارة سيجورنيه الأولى للمغرب بعد تعيينه والأولى للمنطقة وأفريقيا “مهمة وتفتح المجال لاستحقاقات مقبلة”.

وتأتي زيارة سيجورنيه بعد أن وجهت فرنسا في الفترة الأخيرة العديد من الإشارات الإيجابية وعلى مستويات متعددة عن رغبتها في فتح صفحة جديدة مع المغرب، كانت آخرها حفاوة الاستقبال التي لقيتها شقيقات العاهل المغربي الأميرات للاّ مريم وللاّ حسناء وللاّ أسماء في قصر الإليزيه والمأدبة التي أقيمت على شرفهن من قبل زوجة الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون.

كما تؤشر الزيارة على أن باريس بدأت تعيد النظر في سياستها الخارجية ذات الصلة بالقضايا الحيوية للمغرب لأن من بين أهم أسباب استمرار الأزمة مع المغرب هو غياب موقف واضح من قضية الوحدة الترابية للمملكة.

وقالت صحيفة “ليكسبريس” الفرنسية في مقدمة حوار مع المؤرخ الفرنسي، بيير فيرميرين، إن باريس تعيش وضعا صعبا وحرجا بخصوص محاولة خلق علاقات متوازنة مع المغرب والجزائر معا، مما يطرح تساؤلات عما إذا كانت فرنسا قررت مؤخرا تغيير بوصلتها نحو اختيار تمتين علاقاتها مع المغرب على حساب الجزائر، بعد ظهور مؤشرات عن تقارب بين الطرفين.

وأوضح المؤرخ الفرنسي، بيير فيرميرين في حديثه لصحيفة ليكسبريس”، إن العلاقات بين فرنسا والجزائر لم تعرف أي تقدم نحو الأفضل، عدا بعض التقدم الحاصل في لجنة المؤرخين المكلفين بملف الذاكرة. بينما في حالة المغرب، فإن الأخير يضع قضية الصحراء ضمن أولويات التفاوض لترميم العلاقات، وبالتالي فإن فرنسا تجد نفسها في وضع صعب في الوسط بين البلدين.

وتابع فيرميرين، أن الصعوبات من الجانب الجزائري، تكمن في الواقع الداخلي الفرنسي في ظل وجود جالية جزائرية كبيرة في فرنسا. ومن الجانب المغربي، فإن فرنسا لا تستطيع أن تستبدل المغرب في ظل العلاقات التاريخية التي تجمعهما، وهي حليفة للغرب وبوابة فرنسا نحو إفريقيا، بالإضافة إلى أن الرباط بدأت تضع أقدامها في دول الساحل وهو أمر تضعه باريس في عين الاعتبار.

وأشار المؤرخ إلى أن الوضع الحالي بخصوص المغرب، هو أن الرباط لم تعد تكتف بالدعم السياسي الذي تقدمه باريس في قضية الصحراء، بل أصبحت تطالب بموقف رسمي وعلني على غرار دول مثل الولايات المتحدة وعدد من الدول الكبرى، في حين أن باريس تريد أن تستمر في توافق مع الأمم المتحدة، تفاديا لخلق أزمة مع الجزائر.

وفي إجابته على سؤال ما إذا كانت باريس ستقدم على خطوة الاعتراف الرسمي بسيادة المغرب على الصحراء، قال فيرميرين لصحيفة “ليكسبريس”، إن الأمر بيد الرئيس إيمانويل ماكرون، مضيفا بأن الرئيس يشعر بالملل الشديد، فالجزائر مدعومة من الصين وروسيا، والمغرب حليف للولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا، وبالتالي فإن وضع فرنسا صعب.

وفي حين كررت فرنسا رمزيا دعمها لخطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا جديا وذات مصداقية للنزاع الإقليمي، تتوقع الرباط أن تحذو باريس حذو الولايات المتحدة وإسبانيا وتؤيد بشكل لا لبس فيه مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس “الوحيد” لحل سياسي دائم للصراع الإقليمي المستمر.

ويعتبر المغرب قضية الصحراء مسألة وجودية تهم الأمن القومي على كافة المستويات وتطالب الرباط باريس بتحديد موقف واضح غير ضبابي في هذا الملف، وتجاوز الموقف الذي عبرت عنه في العام 2007 في ملف الصحراء المغربية وتعتبره الحد الأقصى، وعدم وضع قضية الوحدة الترابية في سياق المفاضلة السياسية والدبلوماسية بين المغرب والجزائر.

وكان الملك محمد السادس قد شدد في خطاب ألقاه في أغسطس 2022 بأن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم”، معتبراً في السياق نفسه أنه “المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”.

وعرفت العلاقات بين البلدين توترات كثيرة في السنوات الأخيرة، ولم تجد بعد طريقها إلى الحل، بالرغم من أن مؤشرات انخفاض التوتر بدأت تلوح منذ أواخر العام الماضي، عقب تعيين سميرة سيطايل سفيرة للمغرب في باريس بعدما ظل المنصب شاغرا لأكثر من سنة.

ويبدو أن باريس بدأت تعي أهمية الصحراء ليس فقط بالنسبة للمغرب، بل أيضا إليها كمنطلق أطلسي استراتيجي يمكنها من العودة إلى القارة السمراء، التي أصبحت تعرف فرنسا في الذكريات فقط.

وتشكل الأقاليم الجنوبية المغربية حاليا، “حلقة اقتصادية” مهمة بين الرباط ودول العالم والقارة الأفريقية، ومتنفسا للتضييق الاقتصادي الذي تعرفه دول الساحل بعد “حمام الانقلابات”، من خلال الإعلان عن مبادرة الأطلسي، التي ستكون فيها أيضا موريتانيا، “اللاعب الجديد في المنطقة”، جزءا أساسيا، وفق تصريحات وزير الخارجية المغربي.

وأمام كل هذا، كشف سيجورني توجهات ماكرون نحو المغرب، فبعد مماطلة وتعويل على الجزائر، التي تعرف فقط استمرار تأزم العلاقات مع الدول الأخرى عوض تحسينها، يلجأ الرئيس الفرنسي الآن إلى الرباط وأقاليمها الجنوبية قصد تحقيق “العودة الكبرى إلى أفريقيا”.

وظهرت مؤشرات التطور الفرنسي في ملف الصحراء منذ تصريحات السفير الفرنسي للإعلام الرسمي المغربي، وبدأت تتعزز مؤخرا بعد إشرافه شخصيا على فتح فرع لغرفة التجارة والصناعة الفرنسية بجهة كلميم واد نون بوابة الصحراء المغربية، وهو ما اعتبره مراقبون تمهيدا لافتتاح باريس قنصلية في الصحراء أسوة بعدد من الدول.