لحليمي: التضخم في المغرب محلي وغير مستورد بسبب ضعف الإنتاج الداخلي وليس ارتفاع الطلب!؟..حان الوقت لاستقالة الحكومة للحدّ من الخسائر

0
617

تساءل مدير نشر “المغرب الآن” جمال السوسي: “الى متى يصمّ المسؤولون آذانهم أمام مطالب الشعب وصرختهم من أجل استقالة حكومة (الكفاءات) وتشكيل أخرى من اختصاصيين؟ وهل يجوز أن يبقى الوضع بهذا الشكل بعد تصريح أحمد لحليمي المندوب السامي للتخطيط إن التضخم في المغرب محلي وليس مستوردا، وأن يكون هنالك من يتمسّك بواقع سلطوي يرفضه الناس بسبب فشله في تأمين المستلزمات الحياتية والمعيشية والاقتصادية؟”.

شهد المغرب بدوره ارتفاعًا في معدلات التضخم مؤخرًا، مسجلة معدلا وصل 10 في المائة خلال يوليو 2023، وهو تضخم محلي وليس من الخارج، يسمى بــ”التضخم المحلي” بسبب ضعف الإنتاج الداخلي وليس ارتفاع الطلب.

 تنظر المندوبية السامية للتخطيط (حكومي) بتخوف كبير إلى هذا الوضع الذي ما ينفك يتطور.

قال أحمد لحليمي المندوب السامي للتخطيط إن التضخم في المغرب محلي وليس مستوردا، وسببه هو ضعف الإنتاج الداخلي وليس ارتفاع الطلب.

وأكد لحليمي في حوار مع موقع “medias24” أن السبب الرئيس للتضخم هو المواد الغذائية الأساسية، فإذا كانت نسبة التضخم العام هي 10 في المائة، فإن التضخم في المواد الغذائية يبلغ أكثر من 20 في المائة.

وأشار أن التضخم سيصبح معطى بنيوي في المغرب، وعلينا أن نعتاد على التعايش معه، مثل الجفاف الذي أصبح اليوم عاملا هيكليا في المغرب خلال السنوات الأخيرة.

وشدد لحليمي في ذات الحوار أن السبب الرئيسي للتضخم في المغرب، هو نقص الإنتاج أي العرض الداخلي وليس الطلب، وبذلك فلسنا أمام حالة تضخم مستورد، لأن الغذاء وخاصة الفواكه والخضروات يتم إنتاجها محليا في المغرب.

وأبرز أن الفلاحة في المغرب بحاجة إلى ثورة من أجل تغيير نظام الإنتاج والتركيز على السيادة الغذائية، وإنتاج ما نستهلكه في المقام الأول، وهذا أمر من الضروري العمل عليه.

كما سجل لحليمي أهمية الاعتماد بشكل كبير على التقدم التقني والتكنولوجي لتحسين المردود الزراعي، مؤكدا أن القطاع الفلاحي يحتاج إلى ثورة من أجل الحصول على نمط إنتاج جديد.

وتابع ” أنه بعد سنتين من الجفاف وسنة ثالثة شبه جافة أصبح الإنتاج الفلاحي للمغرب أقل من ذي قبل، وبالتالي أصبح لدينا مشكل في العرض”.

وأوضح أن التضخم سيتراجع عندما ينفذ المغرب الإصلاحات المتعلقة بتحسين الإنتاج، مع تشديده على أهمية “تطهير” عملية التوزيع.

واعتبر لحليمي أن السياسة النقدية ليست حلا لمشكل التضخم، بل ما نحتاجه هو إصلاحات هيكلية لسياسات الإنتاج.

وأكد في ذات الحوار على أهمية احترام الرأي العام واعتباره ناضجا والتصريح بالحقيقة، ليكون المغاربة على وعي بالإصلاحات التي يجب أن تطبق.

وأضاف ” ما يجري هو العكس تماما، يقال إن كل شيء على ما يرام، ومشكل التضخم سيحل بالآليات النقدية وهذا غير صحيح ويسعد فقط المنظمات الدولية”.

ووصف لحليمي سياسة كلا من الحكومة وبنك المغرب بـ “السكيزوفرنية”، فمن جهة نطلق مشاريع تمويلية موجهة للشباب مثل “أوراش” و”فرصة”، ومن جهة ثانية نرفع من تكلفة التمويل الاقتصادي.

وأوضح أن المقاولات التي اقترضت إبان أزمة كورونا ستجد اليوم صعوبة في تسديد ديونها بالنظر إلى رفع سعر الفائدة، منبها لغياب الانسجام ما بين السياسة المرتبطة بالميزانية (الحكومة)، والسياسة النقدية (بنك المغرب).

وفي رده على سؤال متعلق بإمكانية تحقيق نسبة نمو تصل إلى 4 في المائة كما وعدت الحكومة في برنامجها، قال لحليمي إن التوقعات الحالية هي 3.3 في المائة، وهذا الرقم بنفسه ستتم مراجعته في شهر يونيو، لكن إجمالا من الصعب تحقيق نسبة نمو أكبر في هذه الظروف.

المعطيات المتوفرة تؤكد أن كبار منتجي ومصدري الخضر والفواكه قرروا تحدي الحكومة، عبر توجيه كميات أكبر من المنتجات الفلاحية إلى الأسواق الخارجية، ما تسبب في إفراغ السوق الداخلية، حيث لم يعد المتوفر كافيا لتغطية الطلب، الشيء الذي أدى على الفور إلى ارتفاع الأسعار بشكل صاروخي. 

لقد استفاد المغرب من استقرار نسبي على مدى العقدين الماضيين بفضل سياسة نقدية متينة أبقت معدلات التضخم المحلية دون 2 في المائة معظم السنوات. ساعدت هذه السياسة النقدية في الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي النسبي للمغرب خلال فترة الانتفاضات الاجتماعية في معظم أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد منح هذا النجاح الوالي الحالي لبنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، لقب رجل الاستقرار، مقارنة بنظرائه في المنطقة، التي عصفت بكثير من بلدانها موجات تضخم هائلة. لقد أبقت المقاربة القائمة على عدم التسامح مع التضخم الوالي على رأس البنك المركزي لفترة طويلة.

قدم الجواهري بخبرة كبيرة إلى البنك المركزي، وكانت الفترة التي قضاها وزيراً للمالية بين عامي 1981 و1986 الأكثر أهمية. في ذلك الوقت، كان المغرب على وشك الإفلاس، وفرض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي برنامج تقويم هيكلي صارم على البلاد، مما أعاد تنظيم الاقتصاد والمالية العامة. علمت دروس الماضي القاسية الوالي الحالي أن استقرار المغرب مرتبط أولاً وقبل كل شيء بضمان استقرار الأسعار وخفض التضخم إلى أدنى المستويات الممكنة.

في الماضي، أدت الأسعار المرتفعة إلى اضطرابات اجتماعية مأساوية في المغرب، خرجت عن سيطرة الدولة. في 29 مايو 1981، عندما كان الجواهري وزيرا للمالية، اندلعت احتجاجات دامية أطلق على ضحاياها لقب “شهداء الكوميرا (الخبز)”، وسقط ضحايا كثر خاصة في الدار البيضاء، بعد أن رفعت الحكومة أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل الدقيق والسكر والزيت والحليب والزبدة. كانت تلك الاحتجاجات واحدة فقط من عدد من الحالات التي وضع فيها التضخم الاستقرار الاجتماعي على المحك.

وخلال العقدين الأخيرين، وعلى الرغم من معدلات التضخم المنخفضة نسبيًا مقارنة بالثمانينيات والتسعينيات، إلا أن بعض الموجات التضخمية قد زعزعت الاستقرار الاجتماعي. شهد المغرب ثلاث موجات احتجاجية ضخمة: “احتجاجات 20 فبراير (الربيع العربي المغربي)”، و”احتجاجات الريف وجرادة”، و”حملة المقاطعة الاقتصادية”، وإن كان لكل سياقها الخاص، إلا أنها كلها مرتبطة بظاهرة ارتفاع نسبي للأسعار في البلاد.

بما أن كل زيادة في الأسعار أدت في نهاية المطاف إلى تصاعد الاحتجاجات، فقد تعلم المغرب أهمية التعامل الفعال مع التضخم. بعد عام 2010، ومع ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 2 في المائة، زادت التوترات الاجتماعية أيضًا. كانت مداخيل المواطنين وقوتهم الشرائية منخفضة للغاية، لأن الغالبية العظمى منهم لم يتمكنوا من الادخار وتنويع مصادر الدخل. أما معظم دخلهم، وخاصة الأجور والأرباح، فيتم صرفه على الأساسيات مثل السكن والنقل والطعام والملبس. حتى الطبقة الوسطى كانت عاجزة بشكل مزمن على الادخار بسبب قوتها الشرائية الضعيفة، واعتمادها على الخدمات التعليمية الخاصة، وارتفاع أسعار العقارات السكنية في المدن.

في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وقبل اندلاع انتفاضات الربيع العربي، عرفت المدن في جميع أنحاء البلاد ظهور تنسيقياتضد الغلاء وتدهور الخدمات الاجتماعية. وشهد الشارع المغربي عامي 2008 و2009 احتجاجات متواصلة ضد ارتفاع الأسعار، بعد أن بلغ التضخم 3.7 في المائة عام 2008، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2000.

بين عامي 2000 و2008، حقق الاقتصاد المغربي نموًا ملحوظا، حيث تضاعف الدخل السنوي للفرد منتقلا من 1334 دولارًا أمريكيًا في عام 2000 إلى 2890 دولارًا أمريكيًا في عام 2008. ونتيجة لذلك، قللت الزيادة في الدخل من تأثير التضخم على الاستقرار الاجتماعي. وبعد ذلك، ومنذ عام 2011، ظل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي السنوي عند حوالي 3046 دولارًا أمريكيًا، دون أي تحسن كبير خلال العقد التالي، حيث وصل إلى 3058 دولارًا أمريكيًا فقط في عام 2021. ويمكن تفسير هذا الركود إلى حد كبير بضعف النمو الاقتصادي في المغرب، فضلاً عن العوامل الأخرى التي ذكرت في تقرير النموذج التنموي الجديد، وهو تقييم صادر عن لجنة خاصة معنية بالتنمية صدر عام 2021. وحدد هذا التقرير أربعة عوامل رئيسية حدت من النمو:

1. غياب التناسق العمودي بين الرؤية التنموية والسياسات العمومية المتبعة وضعف الإلتقائية بين هذه السياسات؛

2. بطء التحول الهيكلي للاقتصاد نتيجة التكاليف المرتفعة لعوامل الإنتاج وعدم الانفتاح على فاعلين جدد ذوي قدرات على الابتكار والمنافسة؛

3. محدودية قدرة القطاع العمومي على تصميم وتنفيذ خدمات عمومية سهلة الولوج وذات جودة في المجالات الأساسية للحياة اليومية للمواطنين؛

4. الشعور بضعف الحماية القضائية وعدم القدرة على التوقع مما يحد من المبادرات، بسبب وجود فجوة بين بعض القوانين ذات “المناطق الرمادية” والواقع الاجتماعي؛ عدالة تعاني من ضعف ثقة المواطنين ومن جهاز بيروقراطي وسبل انتصاف غير فعالة.

بعد عام 2008 سنة الأزمة المالية العالمية، نظرًا لعدم قدرة الاقتصاد المغربي على رفع مستوى الدخل السنوي للفرد، أصبحت معدلات التضخم المرتفعة مصدر قلق أكبر. وخلال احتجاجات الربيع العربي، تظاهرت “حركة 20 فبراير” ضد ارتفاع الأسعار. في عام 2022، نُظمت مسيرات للاحتفال بذكرى “حركة 20 فبراير” ونظمت احتجاجات ضد الأسعار المرتفعة، كأن التاريخ يعيد نفسه. لكن هذه المرة، كانت هناك عوامل أخرى لعبت دورًا أيضًا، وساهمت في معدل التضخم المرتفع: الجفاف، وتأثيرات كوفيد 19، والحرب الروسية على أوكرانيا، والتي تسببت في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وهناك أيضًا موجة التضخم الكبيرة التي نشأت في الاقتصادات المتقدمة.

أدت أزمة كوفيد 19، إلى جانب ركود الناتج المحلي الفردي السنوي على مدى العقد الماضي، إلى إرهاق الطبقتين المتوسطة والعاملة. كما أثرت هذه الوضعية بشكل خاص على العاملين في القطاع غير المهيكل، الذي يمثل 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويشغل 70 في المائة من العمالة في البلاد. يضع التضخم في ظل هذه الظروف عبئًا ثقيلًا على العائلات والمقاولات، ويمكن أن يضعف الاستقرار الاجتماعي، حسب ما يخبرنا به التاريخ البعيد والحديث.

لدى الحكومة الحالية فرصة قصيرة الأمد لمعالجة مشكلة التضخم قبل أن تسوء الأمور. رغم أن المغرب قد يبدو مستقراً، إلا إن التاريخ يشير إلى أن هذا الاستقرار لن يستمر، وأن المزاج الشعبي في الشارع يمكن أن يتغير بسرعة. وسبق أن انتشرت في الملاعب هتافات تطالب برحيل رئيس الحكومة، بسبب الظروف الراهنة وبسبب غياب التواصل من طرف الحكومة. إن وقت التصرف والعمل هو الآن.