أحكام شغب نهائي “الكان” بالرباط… بين صرامة القضاء واختبار صورة المغرب الرياضية

0
70

في مساءٍ ثقيل على مدينة الرباط، أسدلت المحكمة الابتدائية الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل المرتبطة بشغب الملاعب، عقب نهائي “الكان” الذي احتضنه ملعب الأمير مولاي عبد الله. لم تكن الأحكام الصادرة مجرد أرقام موزعة بين ثلاثة أشهر وسنة حبسا نافذا، مرفقة بغرامات مالية تراوحت بين 1200 و5000 درهم؛ بل كانت رسالة قانونية وسياسية واجتماعية في آن واحد، تعكس حساسية الدولة تجاه صورة الرياضة وأمن الفضاءات العمومية.

المحكمة وزعت المسؤوليات كما رأت أنها ثابتة في الملف. أربعة مشجعين، من بينهم فرنسي من أصل جزائري، أدينوا بثلاثة أشهر حبسا نافذا وغرامة 1200 درهم، فيما قضت ببراءة المتهم (إ.م) من تهم المساهمة في العنف وتخريب التجهيزات وأخذ صور لأشخاص في مكان خاص دون إذنهم، مع مؤاخذته من أجل تهم أخرى. في المقابل، أدين أربعة مشجعين سنغاليين بستة أشهر حبسا نافذا وغرامة 2000 درهم، بينما نال باقي المشجعين السنغاليين سنة حبسا نافذا وغرامة 5000 درهم، على خلفية تهم شملت ارتكاب العنف، وإتلاف تجهيزات رياضية، واقتحام أرضية الملعب.

لكن خلف هذه الأحكام، تقف أسئلة أعمق من مجرد توصيف قانوني للأفعال. فالأحداث التي رافقت النهائي لم تكن شجارا عابرا في مدرجات، بل تحولت إلى اختبار لقدرة التنظيم، وجاهزية البنيات التحتية، وآليات ضبط الحشود في تظاهرة قارية يفترض أن تعكس صورة المغرب كبلدٍ قادر على احتضان مواعيد كبرى. النيابة العامة تحدثت عن خسائر قاربت 4 ملايين و870 ألف درهم، إضافة إلى اعتداءات طالت القوة العمومية والمتطوعين، ما أضفى على الملف بعدا يتجاوز “شغب جمهور” إلى تهديد للنظام العام.

في كلماتهم الأخيرة، اختار المتابعون الاعتذار للمغاربة، في محاولة لطي صفحة مثقلة بالصور الصادمة. غير أن المشجع الفرنسي من أصل جزائري أثار نقطة قانونية حساسة حين استغرب استمرار اعتقاله 32 يوما “دون دليل مادي قاطع” في نظره، معتبرا أنه لم يُواجه بما يثبت المنسوب إليه منذ اليوم الأول. هنا تتقاطع العدالة مع الإحساس الفردي بالإنصاف، ويبرز التوتر التقليدي بين منطق الردع العام وضمانات المحاكمة العادلة.

دفاع المتهم الجزائري الفرنسي، ممثلا في المحامي جواد بنعيسى، ركز على تفكيك بعض عناصر الإثبات، مشيرا إلى أن إدخال قنينات الماء إلى الملعب ممنوع أصلا من قبل الجهات المنظمة، في إشارة إلى ثغرات محتملة في منظومة المراقبة. وهو دفع يعيد النقاش إلى سؤال التنظيم: إذا كان المنع قائما، فكيف تسربت الأدوات التي قيل إنها استُعملت في أعمال العنف؟

الجلسة عرفت حضور محامٍ سنغالي والاستعانة بمترجم محلف، بعدما أكد المتابعون عدم إتقانهم اللغة العربية. وهذه الجزئية، وإن بدت إجرائية، تعكس البعد الدولي للقضية؛ فالملاعب اليوم فضاءات عابرة للجنسيات، وأي حادث فيها قد يتحول بسرعة إلى قضية دبلوماسية أو إعلامية عابرة للحدود.

في المحصلة، تبدو الأحكام محاولة لإعادة رسم خط فاصل واضح بين الشغف الرياضي والفوضى، وبين الاحتفال المشروع والانفلات. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في العقوبات، بل في ما بعدها: هل ستدفع هذه القضية إلى مراجعة أعمق لمنظومة تأمين المباريات الكبرى؟ هل سيتم الاستثمار أكثر في ثقافة التشجيع المسؤول، وفي تكوين المنظمين والمتطوعين؟ أم ستظل المقاربة جنائية صِرفة، تُعالج النتائج دون تفكيك الأسباب؟

ما جرى في نهائي “الكان” لم يكن مجرد حادث عابر، بل مرآة تعكس تحديات تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى في زمن الصورة الفورية والانتشار الرقمي. وبين صرامة القضاء وانتظارات الرأي العام، يبقى السؤال معلقا: كيف نحمي فرح الكرة من أن يتحول إلى مشهد شغب يسيء للرياضة وللوطن معًا؟