أزمة السردين في رمضان: بين مبادرات الحكومة والواقع المر

0
78
صورة: صفحة زكية الدريوش

في المغرب، حيث تلتقي محيطات الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، يفترض أن تكون ثروة الأسماك من بين أكبر موارد الغذاء والقدرة الشرائية للمواطنين. لكن الواقع الذي يعيشه عدد كبير من الأسر المغربية، خاصة من ذوي الدخل المحدود، يروي قصة معاكسة تُظهر أن «سمك الفقراء» لم يعد كذلك. قصة السردين في المغرب اليوم ليست مجرد خبر صحفي يتكرر مع حلول مواسم، بل هي ظاهرة متداخلة الأبعاد؛ اقتصادية، بيئية، تنظيمية واجتماعية، تتطلب قراءة تحليلية تتجاوز العناوين الرسمية وتكشف حقائق ما وراء المنصات الإعلامية.

السردين في الأسواق: من متناول الجميع إلى رفٍ نفيس

لطالما كان السردين خياراً أساسياً في المائدة المغربية، لثمنه المقبول وقيمته الغذائية، حتى أنه نال لقب «سمك الفقراء». بيد أن الأسعار في الأسواق قفزت بشكل قياسي في السنوات الأخيرة، لتتراوح في بعض المناطق بين 25 و30 درهما للكيلوغرام الواحد، ما أثار استياءً واسعاً لدى المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام منتج يفوق قدراتهم الشرائية في ظروف اقتصادية صعبة.

تحليل هذه الارتفاعات يظهر أن المشكلة ليست فقط في ندرة العرض أو ارتفاع الطلب، بل تتداخل فيها منظومة وسيطة معقدة من السماسرة والتجار الذين يضخمون الأسعار في كل مرحلة من مراحل السلسلة قبل وصول السمك إلى المستهلك، ما يجعل السردين في الأسواق أكثر تكلفة بكثير من ثمنه عند مرافئ الصيد.

أسباب الأزمة: بين الطبيعة والإنسان

تُظهر المعطيات أن الأزمة الحالية لسوق السردين في المغرب ليست وليدة لحظات، بل هي انعكاس لتراجع ملحوظ في موارد هذا النوع من الأسماك في السنوات الأخيرة. فقد انخفض حجم الصيد المسموح به بنحو كبير، ما تسبب في ضغوط على القطاع برمته، بما في ذلك صناعات مصبرات السمك التي اضطرت إلى تقليص نشاطها بشكل حاد في بعض الفترات.

الخبراء يشيرون إلى عوامل متعددة: تغيرات مناخية تدفع السردين إلى الهجرة نحو مياه أكثر برودة، ارتفاع كلفة رحلات الصيد، الإجراءات التنظيمية مثل فترات الراحة البيولوجية التي تمنع الصيد في مواسم معينة بهدف حماية المخزون، إضافة إلى تأثير عمليات الصيد المفرط في السنوات الماضية.

ردود فعل حكومية: مبادرات وتنظيمات مؤقتة

في محاولة للحد من الأزمة واحتواء غضب المواطنين، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مبادرة «حوت بثمن معقول»، التي تهدف إلى توسيع العرض السمكي في الأسواق وتوفير كميات كبيرة من الأسماك المجمدة بأسعار منافسة، شملت هذه السنة لأول مرة السردين والأنشوفة المجمدين، وذلك ضمن تغطية واسعة تشمل جهات المملكة كلها. الهدف المعلن هو تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً في شهر رمضان.

إلى جانب هذه المبادرة، اتخذت الحكومة قراراً بمنع تصدير السردين المجمد اعتباراً من فبراير 2026، كإجراء لتحسين التزويد الداخلي ومحاربة ارتفاع الأسعار، إلى جانب وعود بمراقبة يومية للأسعار ومحاربة الممارسات غير القانونية في مسالك التسويق.

بين المبادرة والواقع: هل يكفي؟

رغم هذه القرارات، يرى كثير من المراقبين أن الإجراءات الحكومية لا تعالج الجذور الأساسية للأزمة. فكبح التصدير أو دعم بيع أسماك بسعر مخفض قد يخفف من التوتر الظاهري في فترة قصيرة، لكنه لا يقدم حلولاً هيكلية لمعالجة أسباب التراجع في الإنتاج، تنظيم سلسلة التوزيع، أو إعادة هيكلة سوق الصيد بكفاءة تكفل توازناً بين حماية الموارد ومصلحة المستهلك.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن لمغرب يمتلك سواحل طويلة وثروة بحرية هائلة أن يرى «السردين»، رمز الكفاف والبساطة، يصبح سلعًة يفوق ثمنها قدرة الفقراء؟ هل يكمن الحل في مزيد من الرقابة التنظيمية؟ أم في إصلاح سلسلة التوزيع من المصدر حتى وصول المنتوج إلى يد المستهلك؟ وما دور السياسات الحكومية في تحقيق هذا التوازن؟ كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات تتجاوز الشعارات وتصل إلى بنية اقتصادية واجتماعية أكثر عدالة واستدامة.