« أزمة صحية في المغرب: أطباء متمردون يتحدون الدولة والعدالة المجالية »

0
57

بين العدالة المجالية والمصلحة الوطنية… أزمة ثقوب النظام الصحي واستقالة مواثيق الالتحاق

في بادرة اعتُبرت غير مسبوقة في تاريخ التعيينات الصحية بالمغرب، تواجه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أزمة ثقة وجدلًا حول نموذج توزيع الأطباء العامين على الصعيد الوطني. أعداد متزايدة من الأطباء المعينين في مناطق نائية وقروية رفضوا الالتحاق بمقرات عملهم، محدثين شرخًا في استراتيجية الحكومة الرامية إلى تحقيق العدالة المجالية في التغطية الصحية وتعميم الخدمات الطبية، خاصة في الجهات والأقاليم التي تعاني خصاصًا حادًا في الموارد البشرية الصحية.

هذه الظاهرة ليست طارئة على المنظومة الصحية فقط، بل تنعكس اختلالات بنيوية أعمق: تركز الأطباء في المناطق الحضرية الكبرى ونفورهم من البوادي النائية، وهو ما يكرس الفوارق بين الوسط الحضري والقاعدي في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية. وفقًا لإحصاءات رسمية، فإن نحو 26% من المناصب المالية المخصصة لتوظيف الأطباء لم تُشغل بسبب امتناع المعينين عن الالتحاق بها، مسجلة حالة عجز بنيويًا في تلبية الاحتياجات الأساسية لمعظم المناطق المغيبة عن المركز.

أسباب الرفض… بين الواقع المهني والتوقعات الشخصية

من منظور أطباء، يتجاوز رفض الالتحاق بعض الإحباطات الذاتية، ويعكس حالة شاملة من سوء بيئة العمل وضعف التحفيز المعيشي في أقاليم بعيدة عن المدن الكبرى. أما من منظور المواطن العادي، فإن هذه التحركات تُقرأ أحيانًا كرفض “للخدمة الوطنية”، لكنها في جوهرها رد فعل على ظروف العمل المتدهورة، وقلة التجهيزات، وارتفاع الفوارق في الأجور والفرص بين القطاعين العام والخاص — عوامل تجعل من العمل في المناطق النائية تحديًا غير مشجع.

وبينما تسعى الوزارة إلى الحفاظ على اختيارها للمواقع وفق معايير العدالة المجالية، فإن التباين في احتياجات الأطباء أنفسهم يفتح باب التساؤل: هل يمكن فرض عقوبات تأديبية على مهنيين يرفضون إجراءات يرونها مجحفة بحقهم؟ وهل العقاب وحده كافٍ لمعالجة أزمة عميقة في النظام الصحي؟

استراتيجيات الوزارة… إصلاح أم تسييس للمهنة؟

ردًا على تلك الاضطرابات، أعلنت وزارة الصحة استعدادها للجوء إلى إجراءات تأديبية حازمة بحق الأطباء الممتنعين عن الالتحاق بمناصبهم، في محاولة لترسيخ الانضباط المؤسسي وضمان عمل المنظومة على الوجه المطلوب حتى في المناطق الأقل جذبًا. هذا القرار يأتي قبل أن يغادر الوزير الحالي منصبه، مع إصرار على رفض ما وصفته “سياسة لي الذراع” من جهة، والتأكيد على أن العدالة المجالية تبقى أولوية وطنية لا تقبل المساومة.

لكن الإجراءات التصعيدية وحدها لا تكفي، ولهذا تتجه الوزارة إلى تبني استراتيجية متعددة المحاور تشمل إعادة النظر في مشروع القانون المتعلق بالخدمة الوطنية الصحية، وهو مقترح جديد يهدف إلى جعل الخدمة في المناطق النائية جزءًا من الالتزام المهني، وربطها بأطر قانونية تشجع أو تلزم حتى بالخدمة في مواقع بعيدة إذا اقتضت المصلحة الوطنية.

في المقابل، تظهر اقتراحات أخرى على طاولة النقاش، من ضمنها تحويل المناصب المالية الشاغرة التي لم تُشغل بسبب عدم التحاق الأطباء لاستقطاب الممرضين لسد الفراغ الذي تسببه تلك الشغور المؤسسي، مع بقاء بند حوكمة الموارد البشرية الصحية محورًا رئيسيًا في النقاشات القادمة.

تحولات النظام الصحي… من الرفض إلى الإصلاح؟

تكشف هذه الأزمة عن هشاشة في بنية النظام الصحي بالمغرب — حيث تبرز فجوة واضحة بين الأهداف السياسية وبين واقع الموارد البشرية على الأرض. الفوارق بين المناطق الحضرية والرطبة مقارنة بالأقاليم الجبلية والنائية تظل جذر المشكلة، كما أكدت تقارير متعددة تُبرز أن كثافة الأطباء في الوسط الريفي لا تتجاوز جزءًا ضئيلًا من نظيرتها في المدن الكبرى، مما يعكس استمرار إشكالية توزيع الأطباء بفعالية وعدالة.

كما أن الدعوة إلى تطوير المجموعات الصحية الترابية وإعادة تنظيم العرض الصحي على مستوى جهوي ومحلي تشكل جزءًا من رؤية أوسع لتجاوز التحديات الراهنة، لكن تأكيد هذه الرؤية يتطلب تجاوبًا من الأطباء أنفسهم، وإعادة تفكير في الحوافز والترتيبات المهنية التي تجعل من العمل في المناطق النائية خيارًا محترمًا ومشجعًا بدلًا من كونه عقوبة أو “خيارًا ثانويًا”.

خاتمة: بين فرض النظام والإصلاح البنيوي

قضية رفض بعض الأطباء الالتحاق بمقرات عملهم ليست مجرد تمرد فردي، بل هي انعكاس لتحديات أكبر في منظومة صحية تواجه اختلالات متراكمة في التوزيع، والتحفيز، والظروف المهنية. والسؤال الأعمق الذي يطرحه هذا الملف ليس فقط عن العقوبات التأديبية القادمة، بل عن قدرة الدولة والمنظومة الصحية على تجاوز هذا التوتر وإرساء نموذج جديد للعلاقة بين المصلحة العامة والتزامات المهنيين الصحيين.

في خضم هذه المعركة بين مركزية القرار وخصوصيات الواقع الميداني، تظل العدالة المجالية ليست شعارًا على الورق، بل اختبارًا عمليًا لمدى قدرة المؤسسات على تحقيق حق صحي متكافئ لكل مواطن في كل نقطة من الوطن.