أسعار الخضر بين ضغط الطلب وتقلبات المناخ… لماذا يُحمَّل “الطقس” مسؤولية الغلاء في كل موسم؟

0
298

في كل مرة ترتفع فيها أسعار المواد الغذائية في المغرب، تتكرر الرواية ذاتها: الفيضانات، الجفاف، اضطراب الطقس، أو ارتفاع الطلب الموسمي. وكأنّ السوق يتحرك فقط بإيقاع السماء، فيما تتوارى الأسئلة المرتبطة بآليات التنظيم، والرقابة، وحوكمة مسارات التوزيع خلف هذا التفسير الجاهز. ومع بداية الأسبوع الأول من شهر رمضان، عادت أسعار الخضر والفواكه إلى واجهة النقاش العام، مسجلة ارتفاعات لافتة في أسواق الجملة، ومُحيلةً النقاش مجدداً إلى سؤال أعمق: من يضبط السوق فعلياً عندما تضطرب المؤشرات؟

الأرقام القادمة من أسواق الجملة تعكس واقعاً ضاغطاً. فالبصل، الذي تصدّر قائمة المواد الأكثر ارتفاعاً، يتراوح ثمن بيعه بين 8,50 و9 دراهم للكيلوغرام الواحد، بينما تصل “الجلبانة” إلى ما بين 10 و20 درهماً، ويقترب سعر الكراث من سقف 7,50 دراهم. وعلى مستوى مواد أخرى، يستقر متوسط سعر الطماطم في حدود درهمين ونصف، في حين يُباع الكيلوغرام من القرع بحوالي 5 دراهم، والباذنجان في حدود 3,5 دراهم. أما في شق الفواكه، فيبلغ سعر الموز المحلي بالجملة نحو 11 درهماً، فيما يلامس التفاح المحلي سقف 13 درهماً.

هذه الأرقام، رغم تفاوتها بين صنف وآخر، تكشف أن الضغط لا يقتصر على مادة بعينها، بل يشمل سلة واسعة من المنتجات الأساسية. وفي سوق الجملة بإنزكان، حيث يرتبط جزء مهم من التموين الوطني بالإنتاج القادم من سوس، يؤكد مهنيون أن العرض متوفر من حيث المبدأ، لكن تداعيات الفيضانات التي ضربت مناطق من الغرب أثرت على حجم الإمدادات القادمة من هناك، ما خلق اختلالاً مؤقتاً في التوازن بين العرض والطلب.

غير أن التفسير المناخي، رغم وجاهته الجزئية، لا يبدو كافياً لتفسير حدة الارتفاعات المسجلة. فحسب تصريحات مهنيين من سوق الجملة بالدار البيضاء، وعلى رأسهم رشيد العامري، فإن العوامل المتداخلة تشمل أيضاً الطلب المرتفع خلال شهر رمضان، إضافة إلى سلوكيات تخزين ومضاربات في بعض حلقات التوزيع. وأشار المتحدث إلى أن سعر صندوق الخيار، على سبيل المثال، قفز من 170 درهماً إلى 300 درهم في أيام معدودة، وهو فارق يعكس دينامية غير مرتبطة فقط بالإنتاج، بل بآليات التداول داخل السوق.

اللافت في هذا المشهد أن بعض المنتجين يطالبون اليوم بأثمان أعلى بحجة ارتفاع كلفة الإنتاج أو تغير شروط العرض، ما يعزز منسوب الضغوط على مستوى الجملة، ويترك أثره المباشر على نقاط البيع بالتقسيط. وفي المقابل، يظل المستهلك النهائي هو الحلقة الأضعف، إذ يتحمل الفجوة بين السعر عند الخروج من الضيعة والسعر عند الوصول إلى السوق المحلية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح كل موسم هو: لماذا يُختزل النقاش في عوامل خارجية مثل الطقس والفيضانات، بينما يبقى دور السياسات العمومية في ضبط الأسواق، ومراقبة مسالك التوزيع، ومواجهة الاحتكار والمضاربة، موضوعاً أقل حضوراً في النقاش العام؟ هل تملك المؤسسات المعنية أدوات تدخل فعالة وسريعة حين تظهر مؤشرات اختلال، أم أن آليات المراقبة تتحرك بعد وقوع الأزمة وليس قبلها؟

من الناحية البنيوية، ترتبط أسعار الخضر في المغرب بسلسلة طويلة ومعقدة من الحلقات: الإنتاج، النقل، الوسطاء، أسواق الجملة، ثم أسواق التقسيط. وأي خلل أو تضخم في حلقة من هذه الحلقات ينعكس مباشرة على السعر النهائي. وفي غياب شفافية أكبر في تحديد هوامش الربح داخل كل مرحلة، يبقى من الصعب تحديد أين تبدأ الزيادة وأين تنتهي مسؤولية كل طرف.

وعلى الرغم من المؤشرات التي يتحدث عنها المهنيون بشأن اتجاه الأسعار نحو الاستقرار خلال الأيام المقبلة، فإن الاستقرار المتوقع يظل نسبياً، إذ قد تعود الضغوط مجدداً مع أي صدمة جديدة في العرض أو ارتفاع إضافي في الطلب. وهنا تتجدد الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولاً لإدارة الأسواق الفلاحية، لا تكتفي بتبرير الارتفاعات بل تسعى إلى احتوائها عبر أدوات تنظيمية واستباقية.

في المحصلة، تبدو أزمة الأسعار في كل موسم أشبه بمرآة تعكس اختلالات هيكلية أعمق من مجرد ظرف عابر. والفيضان أو الجفاف قد يشكلان شرارة البداية، لكن استمرار التذبذب يطرح سؤال الحوكمة والرقابة والشفافية في مسارات توزيع الغذاء. فالمشكلة ليست فقط في ارتفاع السعر، بل في تكرار السيناريو ذاته دون حلول جذرية تحد من تحوله إلى قاعدة ثابتة مع كل مناسبة أو ظرف استثنائي.