في قلب حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يتصدّر المشهد السياسي المغربي كأحد أبرز أحزاب الأغلبية، اندلعت شرارة نقاشات حادة حول مستقبل قيادته بعد إعلان رئيسه الحالي عزيز أخنوش أنه لن يترشّح لولاية ثالثة، احتراماً للنظام الأساسي للحزب وللتداول الديمقراطي المنصوص عليه في مواده التنظيمية.
الإعلان الذي جاء مطلع يناير 2026 فتح الباب أمام محطة مفصلية داخل “حزب الحمامة”: المؤتمر الاستثنائي المقرر عقده في 7 فبراير القادم بمدينة الجديدة، والذي ينتظر أن يشهد اختيار قائده الجديد بعد عقد من الزمن على تولّي أخنوش الرئاسة في 2016 وإعادة انتخابه في 2022.
لكن خلف المشهد المؤسساتي، تزحف خيوط من الصراع المضمَر الذي يكشف عن توتّر داخلي غير معلَن. مصادر مطّلعة داخل الحزب تحدثت عن استياء واضح لدى القيادي محمد أوجار من تداول اسم رجل الأعمال ياسر الزناكي كمرشّح محتمل لخلافة أخنوش، وهو ما أثار ردود فعل قوية في الدوائر الحزبية. وفق هذه المصادر، فإن أوجار لم يكتفِ بإبداء تحفظات على هذا الطرح الإعلامي، بل عبّر، في اتصالات مع عدد من أعضاء المكتب السياسي، عن وجود “إشكالات قانونية وتنظيمية” قد تعوق ترشيح الزناكي، في إشارة واضحة إلى محاولة وضع عوائق أمام الترويج لهذا الاسم عبر استعمال الحجج التنظيمية.
في جلسات خاصة مع بعض قيادات الحزب، قال أوجار إنه يرى في نفسه الأكثر استعداداً لتحمّل مسؤولية المرحلة القادمة على رأس الحزب، مستنداً إلى ما وصفته المصادر بـ”خبرته التنظيمية وقدراته على قيادة الحزب في تحوّله القادم”. غير أن طموحاته اصطدمت بحسب مصادرنا بمكالمة هاتفية قيل إنها حاسمة، أبطأت زحف أوجار نحو زعامة الحزب، بل وأحدثت ردود فعل داخلية كبيرة لم يتوقعها البعض، في مؤشر على أن مسارات السلطة داخل الحزب ليست مفتوحة على كل الاحتمالات دون رقابة أو ضغوط.
وتُظهر هذه التطورات أن ملف خلافة أخنوش لم يبقَ مجرد شأن تنظيمي، بل امتدّ إلى صراعات داخلية بين أجنحة متعددة داخل الحزب، بعضها يطالب باستمرار ديناميكية التجديد والبعض الآخر يحاول استثمار الضعف النسبي لقيادة المرحلة السابقة للدفع بمقاعد النفوذ الخاصة به. في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه المناخات الداخلية عن النقاش العام الواسع الذي يدور في الأوساط السياسية المغربية حول ما إذا كان الحزب قادرًا، بعد تجربة قادها أخنوش لعقد كامل، على تجاوز منطق “التوريث السياسي” التقليدي، أو أنه سينزلق، كما يراه كثيرون، إلى منطق الصراعات الرمزية والمراكز الفردية.
هذا المشهد الحزبي يأتي في وقت يتجه فيه “التجمع الوطني للأحرار” إلى استكمال مساره المؤسساتي بفتح باب الترشيحات رسمياً أمام الأعضاء حتى نهاية يناير، تمهيداً للمؤتمر الاستثنائي. ورغم أن اللجنة التحضيرية قد أعلنت آليات واضحة لاستقبال الترشيحات، فإن صدى الخلافات الداخلية في الأروقة الحزبية يعكس توترات أعمق، بين من يريد أن يأخذ الحزب إلى “تجديد متوازن ينطلق من مؤسساته”، وبين من يسعى لرسم ملامح قيادة جديدة عبر تأثيرات غير تنظيمية.
في نهاية المطاف، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سيستطيع الحزب إدارة هذا الانتقال القيادي بما يضمن تماسكه الداخلي واستمرار موقعه السياسي في المغرب، أم أن منطق الصراع الداخلي سيترك بصمته على خارطة نفوذ الحزب في مرحلة انتخابية وحساسة؟