احتجاج المحامين في الرباط: معركة للحفاظ على «هوية المهنة» واستقلالها

0
82

في صباح يوم الأربعاء 28 يناير 2026، توافد مئات المحامين من هيئات وجمعيات مختلفة إلى شارع وزارة العدل بالعاصمة الرباط، يرتدون بذلهم السوداء ويرفعون لافتات وشعارات تعبّر عن غضب مهني ممتد منذ أسابيع. كانت الوقفة الاحتجاجية، هذه المرة، واحدة من أكثر التحركات حضورا وقوة، إذ لم تعد مجرد ردّ فعل على خطوة تشريعية، بل تبدو جزءًا من صراع أعمق حول هوية واستقلال المحاماة في المغرب.

المحامون، الشباب والكبار على حدّ سواء، لم يكتفوا بإدانة مشروع القانون المنظم للمهنة الجديد — رقم 66.23 — بل وصفوه بـ«الاعتداء على حصانة الدفاع»، و«التراجع عن مكتسبات تاريخية» تمتد لعقود من الزمن. بعض المحتجين رفعوا شعارات مباشرة ضد وزير العدل، معتبرين أن الصيغة الحالية للنص تقوّض الأسس التي يقوم عليها الدفاع الحر والمستقل.

من وراء القانون؟ صراع المصطلحات والمفاهيم

الحكومة تقول إن مشروع القانون جاء في سياق «تحديث» المهنة وملاءمتها مع التحولات القانونية والاجتماعية الحديثة، وقد أُعدّ بعد الاستماع إلى تصورات الجهات المعنية، وفق تصريحات سابقة للوزارة. لكن المحامين رأوا في الصياغة النهائية للنص بندًا من دون نقاش حقيقي، وممارسات تصادر مقاربة الحوار التشاركي التي تنص عليها مدونة الإصلاحات التشريعية.

هذا الخلاف في الرؤية ليس تقنياً فحسب، بل يعكس صراعاً على معنى الحرية المهنية واستقلال المحامي: هل يبقى المحامي شريكاً قوياً في تحقيق العدالة، أم يصبح إطاراً تنظيمياً خاضعاً أكثر للرقابة الإدارية؟ بعض المحامين عبروا عن قلقهم من أن المشروع الجديد يمس باستقلالية المهنة، ويحدّ من حصانة الدفاع التي يعتبرونها ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة، ما قد يخلّ بالتوازن بين السلطة القضائية والمتقاضي.

التصعيد: من الوقفات إلى الشلل المؤسّسي

التحركات الاحتجاجية لم تكن وقفة واحدة. منذ بداية شهر يناير الجاري، أعلنت هيئات المحامين برنامجًا نضاليًا شمل توقفًا شاملاً عن تقديم الخدمات المهنية في المحاكم، امتدّت تأثيراته إلى شلل شبه كامل لعشرات الجلسات القضائية في محاكم المملكة. هذا الإضراب لم يؤثر فقط على سير العدالة، بل سجّل علامات استفهام حول حق المواطن في الولوج إلى العدالة وتأجيل قضايا مهمة كانت في انتظار البتّ.

وسط هذا الواقع، بدا الشارع المهني مشدودًا بين ضرورة الدفاع عن هوية المهنة من جهة، والحفاظ على مصلحة المواطن في محاكمة عادلة وسريعة من جهة أخرى — مع أن المحامين يؤكدون بأن ما يدافعون عنه في النهاية هو ضمانات هذا الحق نفسه عبر استقلال المهنة وحصانة ممارسيها.

الخطوة المقبلة: وقفة وطنية أمام البرلمان

ولم تقتصر ردود الأفعال على الوقفة أمام الوزارة. أعلنت جمعية هيئات المحامين عن وقوف وطنية أمام البرلمان في السادس من فبراير المقبل، في محاولة لتجديد الضغط على الحكومة والبرلمان لإعادة النظر في مشروع القانون، أو فتح مسار تشاوري أوسع يتضمن جميع مكوّنات الأسرة المهنية والقانونية.

وإذا كانت هذه التحركات تظهر قوتها التنظيمية في الميدان، فإنها تعكس أيضًا عمق المخاوف من أن مشروع القانون، كما هو، قد يحوّل المحامي من عامل أساسي في منظومة العدالة إلى بمثابة موظف خاضع لإشراف وإدارة أكبر من السلطة التنفيذية — وهو ما يرفضه الجسم المهني رفضًا قاطعًا.

خاتمة: بين الحرص على الإصلاح والخوف من «التراجع»

في نهاية المطاف، يظل الجدل الدائر حول مشروع القانون رقم 66.23 أكثر من مجرد خلاف تشريعي. إنه حوار حول معنى العدالة واستقلالها في دولة مؤسسات. المحامون يرون أن المشروع الحالي مساس بجوهرهم المهني وبالضمانات الحقوقية للمواطنين، بينما تؤكد الحكومة أنها تسعى إلى تطوير النصوص القانونية. لكن ما يبقى ضرورة ملحّة في هذا المشهد هو فتح حوار حقيقي، تشاركي وشفاف، يطغى على لغة الصراع ويحولها إلى إنتاج تشريعي مستوعب لكل الأطراف.