“الأمطار تدفع الأسعار… والمواطن يدفع الثمن”

0
196

ليست الأمطار، في حد ذاتها، خبرًا سيئًا لبلد أنهكته سنوات الجفاف، ولا يمكن لعاقل أن يجادل في كونها نعمة مؤجلة الأثر، بعيدة المردود. غير أن ما يحدث في الأسواق اليوم يكشف مفارقة مقلقة: كلما نزل الغيث من السماء، ارتفعت الأسعار في الأرض، وكأن القدرة الشرائية للمواطن مطالَبة دائمًا بدفع كلفة أي تحوّل طبيعي أو ظرفي، دون وسائط حماية أو سياسات امتصاص.

ارتفاع أسعار الخضر خلال الأيام الأخيرة لا يمكن اختزاله في معادلة ميكانيكية بسيطة عنوانها “العرض والطلب”. صحيح أن التساقطات المطرية تعرقل الجني والنقل، وتؤثر مرحليًا على الكميات المعروضة، لكن السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الظاهرة المتكررة هو: لماذا يتحول أي اضطراب مناخي، مهما كان محدودًا، إلى ضغط مباشر وفوري على المستهلك النهائي، بينما تغيب آليات التوازن والاحتواء؟

المشكل أعمق من حقل غمرته الأمطار أو طريق انقطعت بسبب الثلوج. إنه مرتبط ببنية تسويق فلاحي هشّة، تعتمد على حلقات وساطة متعددة، وتفتقر إلى مخزون تعديلي فعّال، وتشتغل في كثير من الأحيان خارج منطق الاستباق. في هذا السياق، يصبح السوق رهينة للظرف، والمواطن رهينة للسوق، دون أن تتدخل المؤسسات العمومية إلا ببيانات تفسيرية، غالبًا ما تبرر الواقع أكثر مما تسائله.

اللافت أن الخطاب الرسمي والمهني يكرر، كل مرة، الطمأنة ذاتها: “الوضع ظرفي”، “الأسعار ستنخفض لاحقًا”، “الأمطار ستؤدي إلى وفرة في الإنتاج”. وهي عبارات صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى لازمة موسمية، لا ترافقها إجراءات ملموسة لحماية المستهلك في الحاضر، لا في المستقبل المؤجل.

هنا تبرز إشكالية العدالة الزمنية في السياسات العمومية: المواطن لا يشتري وعود الغد، بل حاجيات اليوم. وحين يُطلب منه تحمّل الارتفاعات بدعوى أن الفرج قادم بعد أشهر، فإن ذلك يعني عمليًا تحميل الفئات الهشة كلفة انتظار لا تملك ترفه.

المطر، إذن، ليس المتهم. المتهم الحقيقي هو غياب رؤية متكاملة لسلسلة الإنتاج والتوزيع، وضعف أدوات الضبط والمراقبة، وترك السوق يشتغل بمنطق ردّ الفعل بدل التدبير الاستباقي. وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، لم يعد مقبولًا التعامل مع التقلبات الجوية كحدث استثنائي، بل كمعطى بنيوي يفترض سياسات مرنة، ومخازن استراتيجية، ومسالك توزيع أقصر وأكثر شفافية.

إن ارتفاع أسعار الخضر مع أولى التساقطات ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل مؤشر سياسي-اجتماعي على هشاشة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. ومتى استمر هذا الخلل دون معالجة جذرية، سيبقى المواطن يدفع ثمن السماء حين تمطر، وثمن الأرض حين تجف، في معادلة لا رابح فيها سوى الانتظار.