“التعيينات السياسية… كيف تتحول الدولة إلى ساحة لتقسيم النفوذ قبل الانتخابات”

0
112

مع اقتراب نهاية كل ولاية حكومية في المغرب، يتكرر مشهد يكاد يتحول إلى “قاعدة غير مكتوبة” في الممارسة السياسية: تسارع لافت في وتيرة التعيينات في المناصب العليا، وكأن الزمن الإداري يضغط بدوره من أجل تثبيت مواقع النفوذ قبل لحظة الحسم الانتخابي. هذه الدينامية، التي تتجدد اليوم مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا بصيغة جديدة: هل نحن أمام تدبير عادي للمرفق العمومي، أم أمام إعادة توزيع للسلطة داخل الدولة بوسائل إدارية؟

في الظاهر، تبدو الأمور محكومة بإطار قانوني واضح، إذ تخضع التعيينات في المناصب العليا لمقتضيات دستورية، خاصة الفصل 92، الذي ينظم التداول بشأنها داخل مجلس الحكومة، في انسجام مع القانون التنظيمي المؤطر لهذا المجال . كما أن البلاغات الرسمية تؤكد باستمرار أن هذه التعيينات تهدف إلى “تعزيز الكفاءة وتحسين الأداء الإداري” . غير أن القراءة التحليلية لما يجري تكشف فجوة متنامية بين النص والممارسة، بين خطاب الحكامة ومنطق التوازنات.

في العمق، تتجه أصابع الاتهام نحو ما يعتبره متتبعون “اقتصادًا سياسيًا للتعيينات”، حيث تتحول المناصب العليا إلى موارد رمزية ومؤسساتية تُوزَّع وفق منطق القرب والولاء، لا وفق معايير الاستحقاق. تقارير إعلامية ومعطيات متداولة تشير إلى تعيين مئات الأسماء المحسوبة على دوائر وزارية أو حزبية، في مقابل إقصاء كفاءات أخرى، وهو ما يطرح إشكال تكافؤ الفرص وشفافية الولوج إلى المسؤولية . هنا، لا يتعلق الأمر فقط بتعيين أشخاص، بل بإعادة تشكيل “خريطة النفوذ” داخل الإدارة.

هذا التحول يكتسب دلالة خاصة حين يُقرأ في سياق الزمن السياسي. فمع اقتراب الانتخابات، تصبح التعيينات أكثر من مجرد قرارات تدبيرية؛ تتحول إلى أدوات استراتيجية لزرع امتدادات حزبية داخل مفاصل الدولة، بما يضمن نوعًا من الاستمرارية غير المعلنة للنفوذ، حتى في حال تغير الأغلبية. إنها لحظة يتداخل فيها الإداري بالسياسي، ويصعب فيها التمييز بين خدمة المرفق العمومي وخدمة التوازنات الحزبية.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود النوايا أو التأويلات، بل يمتد إلى أثر هذه التعيينات على أداء المؤسسات. فحين تُسند المسؤولية خارج منطق الكفاءة، تصبح النتيجة، وفق عدد من التقارير، تراجعًا في النجاعة وضعفًا في الأداء، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة السياسات العمومية وثقة المواطنين . وهنا يبرز البعد المضمَر للأزمة: ليست فقط أزمة تعيينات، بل أزمة ثقة في الدولة كضامن للإنصاف وتكافؤ الفرص.

المفارقة الأبرز تكمن في التناقض بين هذا الواقع وبين التوجيهات المتكررة التي تشدد على ربط المسؤولية بالمحاسبة والكفاءة. هذا التناقض يخلق نوعًا من “الازدواجية المؤسساتية”: خطاب رسمي يرفع سقف الانتظارات، وممارسة ميدانية تُعيد إنتاج نفس الأنماط التي كانت محل نقد في مراحل سابقة. وكأن الزمن السياسي في المغرب يدور في حلقة، تعود فيها “ريما لعادتها القديمة” كلما اقتربت نهاية ولاية.

في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي أعمق من مجرد انتقاد ظرفي: هل يمتلك النظام الإداري والسياسي في المغرب آليات ذاتية لكسر هذه الحلقة؟ أم أن منطق التعيينات سيظل رهينًا بلحظات التوازن السياسي، يتغير شكله دون أن يتغير جوهره؟ ثم إلى أي حد يمكن الحديث عن حياد المرفق العمومي، إذا كانت مفاصله تُعاد صياغتها في كل نهاية ولاية وفق حسابات انتخابية؟

إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته فقط كحدث عابر، بل كعرض لخلل بنيوي في العلاقة بين السياسة والإدارة. فإما أن تتحول التعيينات إلى أداة لترسيخ دولة الكفاءة، أو تبقى، كما يراها كثيرون، مجرد آلية ناعمة لإعادة توزيع السلطة… بوسائل تبدو قانونية في الشكل، لكنها تظل محل مساءلة في الجوهر.