في الظاهر، يبدو الخلاف الدائر حول الاتفاق الفلاحي بين المغرب والاتحاد الأوروبي مجرّد صراع تجاري تقليدي: منتجون إسبان يشتكون من “منافسة غير عادلة”، ومنتجون مغاربة يردّون بلغة السوق والجودة والطلب. لكن ما إن نبتعد خطوة عن سطح الخطاب، حتى يتكشّف سؤال أعمق، وأكثر حساسية، يتجاوز منطق الصادرات والأرقام، ويمسّ جوهر السيادة: ماذا نصدّر فعلاً؟ منتجات فلاحية… أم ماءً مغربياً مقنّعاً؟
حين تتحوّل المنافسة إلى ضجيج يغطي الأسئلة الحقيقية
الاحتجاج الإسباني، كما عبّرت عنه بعض التنظيمات المهنية، لا ينفصل عن أزمة بنيوية يعيشها القطاع الفلاحي الأوروبي: تقلّص دعم السياسة الفلاحية المشتركة، ارتفاع الكلفة، اضطراب المناخ، وضغط اجتماعي متزايد. في مثل هذا السياق، يصبح “المنتج المغربي” شماعة جاهزة، و”اتفاق بروكسل مع الرباط” عنواناً مريحاً لتفريغ القلق.
الرد المغربي، من جهته، يستند إلى معطيات صحيحة في ظاهرها: احترام المعايير، تنافسية الجودة، الطلب الأوروبي المرتفع، والمساهمة في الأمن الغذائي للقارة. غير أن هذا الخطاب، وهو يدافع عن شرعية الولوج إلى السوق، يتجنّب سؤالاً مسكوتاً عنه: أي كلفة خفية تُدفع داخل المغرب مقابل هذا النجاح التصديري؟
الأمن المائي: الغائب الأكبر في نقاش الصادرات
الفراولة، ” الدلاح ” البطيخ الأحمر، الأفوكادو، الطماطم… ليست مجرد فواكه وخضر. هي، في الحساب البيئي، منتجات كثيفة الاستهلاك للماء. كل شحنة تصدَّر إلى أوروبا تحمل في طياتها آلاف الأمتار المكعبة من المياه الجوفية والسطحية، تُستخرج من مناطق تعاني أصلاً من إجهاد مائي متزايد، ومن اختلالات واضحة بين العرض والطلب.
المغرب بين الأمطار والتحسن الظرفي للمياه: مؤشرات رسمية وتحديات مستمرة
هنا بالضبط يتغيّر زاوية النظر: لسنا أمام تنافس فلاحي فقط، بل أمام مقايضة غير معلنة بين العملة الصعبة والماء.
بين أرباح سريعة للمستثمرين، وخسارة بطيئة لثروة مائية هي حق جماعي لكل المغاربة، وللأجيال المقبلة.
من يستفيد… ومن يدفع الثمن؟
الوقائع تشير إلى أن عائدات التصدير لا تتوزع بعدالة. المستفيد الأول هو المستثمر الكبير، مغربياً كان أو أجنبياً، القادر على تعبئة الرأسمال، والتحكّم في سلاسل التصدير، والاستفادة من الامتيازات. أما الكلفة البيئية، فتُعمَّم:
-
استنزاف الفرشات المائية
-
ملوحة التربة
-
هشاشة الأمن المائي المحلي
-
توتّر اجتماعي صامت في مناطق فلاحية تعيش شحّ الماء يومياً
في هذا السياق، يصبح الاحتفاء بـ”إرباك الأسواق الأوروبية” خطاباً قاصراً، بل وخطيراً، إن لم يُربط بسؤال الاستدامة. ما معنى أن نربك حسابات الاتحاد الأوروبي، إذا كنا نربك توازننا البيئي الداخلي؟
الماء… ذهب المستقبل
إذا كان النفط ذهب القرن العشرين، فإن الماء هو ذهب القرن الحادي والعشرين. هذه ليست استعارة صحافية، بل معطى استراتيجي تعترف به التقارير الدولية. التعامل مع الماء كمدخل إنتاج مجاني، أو شبه مجاني، في فلاحة موجّهة للتصدير، يطرح إشكالاً أخلاقياً وسيادياً.
من هنا، يبرز سؤال مشروع لا يحمل اتهاماً، بل دعوة للتفكير:
-
هل من المعقول تصدير منتجات عالية الاستهلاك المائي دون تسعير حقيقي للماء؟
-
هل يجب إعادة النظر في الرسوم والضرائب البيئية على هذا النوع من الزراعات؟
-
وهل تخدم هذه الاختيارات فعلاً الأمن الغذائي والمائي للمغرب، أم فقط اندماجه السريع في أسواق لا تراعي هشاشته البيئية؟


