التنمية والسياسة والرياضة… قراءة في خطاب أخنوش وتكريس الثقة المستقبلية

0
182

في محطة تنظيمية ذات دلالات سياسية متعددة، التأم المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار، اليوم السبت بمقره المركزي بالرباط، في دورة عادية خُصص جانبها الأبرز لعرض ما اعتبره رئيس الحزب ورئيس الحكومة، عزيز أخنوش، “حصيلة المنجزات الحكومية” واستشراف “رؤية المرحلة المقبلة”.

لقاءٌ جاء في سياق وطني وإقليمي ودولي دقيق، يتقاطع فيه خطاب التنمية مع رهانات الثقة الاجتماعية، وتُستدعى فيه الرمزية السياسية للرياضة كأداة للإشعاع الدولي وتعزيز الموقع الاستراتيجي للمملكة.

التنمية كخطاب شامل… والإنسان في قلب السردية

حرص أخنوش، منذ مستهل كلمته، على إعادة تعريف مفهوم التنمية، بعيدًا عن اختزالها في المؤشرات الرقمية أو القرارات الظرفية، مؤكدًا أنها “ثقافة مواطنة والتزام جماعي”.هذا التأطير لا يبدو معزولًا عن السياق السياسي، إذ يندرج ضمن سعي الحكومة إلى تثبيت سردية “الإنسان محور السياسات العمومية”، باعتبارها جوابًا غير مباشر على الانتقادات المرتبطة بوقع الإصلاحات الاجتماعية على الحياة اليومية للمواطنين.

وفي استحضاره لسنة 2026 باعتبارها “فرصة لتوطيد الإقلاع الاقتصادي وتحقيق الانتقال الاجتماعي المنتظر”، يربط رئيس الحكومة بين ما تحقق وما يُفترض أن يتحقق، دون الدخول في تفاصيل دقيقة حول كلفة هذا الانتقال أو شروط استدامته، مكتفيًا بتأكيد أن النمو الاقتصادي “يفقد معناه إن لم ينعكس على كرامة المواطن”.

سبعة ملايين أجير خارج التغطية: هل وصلت الرسالة الملكية كاملة إلى المنفذين؟

الثابت الوطني في قلب الخطاب الحزبي

لم يَغِب ملف القضية الوطنية عن العرض السياسي، حيث أعاد أخنوش التأكيد على أن ما تحقق في قضية الصحراء المغربية خلال 26 سنة من عهد الملك محمد السادس هو نتاج “تصور استراتيجي بعيد المدى”، لا مجرد تدبير ظرفي. ويأتي استحضار القرار الأممي 2797 ومقترح الحكم الذاتي في هذا السياق كجزء من تثبيت منجز دبلوماسي يُقدَّم باعتباره قاعدة مرجعية لأي أفق تفاوضي، مع تحميل القيادة الملكية دور الانتقال بالقضية من “مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير”.

هذا الربط بين السياسي والحزبي في ملف يُعد من الثوابت الوطنية يعكس، في العمق، رغبة الحزب في التموضع داخل الإجماع الوطني، دون تجاوز الحدود الفاصلة بين ما هو سيادي وما هو تدبيري.

الرياضة… من التنافس إلى الدبلوماسية الناعمة

اللافت في خطاب أخنوش كان التوقف المطوّل عند “الأحداث الكروية” الكبرى، وعلى رأسها كأس إفريقيا للأمم 2025 والاستعداد لمونديال 2030. فالرياضة، وفق هذا التصور، لم تعد مجرد نشاط تنافسي، بل تحوّلت إلى رافعة استراتيجية للاستثمار، والبنية التحتية، والسياحة، والربط اللوجستي، وأداة لتعزيز صورة المغرب كـ”قوة صاعدة” وبوابة إفريقية ذات بعد عالمي.

غير أن هذا الخطاب، وإن أبرز البعد الإشعاعي للرياضة، يتجنب الخوض في التحديات التنظيمية والمالية والاجتماعية المرافقة لهذه التظاهرات، مكتفيًا بتقديمها في إطار تعبوي يُراهن على توحيد الجبهة الداخلية وتعزيز الثقة في المسار العام.

مؤشرات اقتصادية… قراءة في الأرقام ودلالاتها

على المستوى الاقتصادي، عرض رئيس الحكومة أرقامًا وصفها بـ”القوية”، من ضمنها توقعات نمو في حدود 5% سنتي 2025 و2026، وتراجع التضخم إلى أقل من 1%، إضافة إلى حجم استثمار عمومي بلغ 380 مليار درهم، وتدفقات استثمار أجنبي مباشر ناهزت 45.4 مليار درهم.

ورغم أهمية هذه المؤشرات في الخطاب السياسي، فإنها تُطرح دون تفصيل كافٍ حول توزيع أثرها المجالي والاجتماعي، أو مدى انعكاسها على التشغيل وجودة العيش، وهي أسئلة تبقى حاضرة في النقاش العمومي، حتى وإن لم تُستحضر صراحة في التقرير السياسي.

الدولة الاجتماعية… بين التوسيع والاستدامة

في الشق الاجتماعي، شدد أخنوش على أن الحكومة جسّدت مفهوم “الدولة الاجتماعية” عبر تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، مستعرضًا أرقام المستفيدين من “أمو-تضامن” وبرامج الدعم الاجتماعي. كما توقف عند الإصلاحات التي طالت الصحة والتعليم، سواء من خلال مضاعفة الميزانيات أو توسيع البنيات التحتية.

غير أن هذا العرض، الذي يركز على حجم المجهود المالي، يترك مفتوحًا سؤال النجاعة وجودة الخدمات، ومدى قدرة هذه السياسات على تجاوز منطق الدعم الظرفي نحو بناء منظومات عمومية أكثر عدالة وفعالية على المدى المتوسط والبعيد.

خلاصة سياقية

يُظهر خطاب عزيز أخنوش أمام المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار محاولة واضحة لربط الحصيلة الحكومية برؤية شمولية تمزج بين التنمية، والثوابت الوطنية، والرهان الرياضي، والدولة الاجتماعية.

خطابٌ يُراكم على منطق الاستمرارية والثقة في المستقبل، لكنه في الوقت ذاته يتفادى الخوض في مناطق التوتر أو الاختلال، مفضّلًا إبقاء المسافة النقدية مفتوحة أمام الرأي العام لقراءة المعلن… والتفكير في المسكوت عنه.