“الجزائر تعود إلى مدريد: سقوط ورقة الضغط واعتراف صامت بالهزيمة الدبلوماسية”

0
107

لم يكن استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أمس الخميس، لوزير الشؤون الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس مجرد استعراض بروتوكولي لدفتر واجبات الدبلوماسية، أو مجرد قرار تقني لإعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين الجزائر ومدريد في أكتوبر 2002. بل ظهرت هذه الخطوة، وفق قراءة متعمقة، كـ لحظة مفصلية في التحولات الإقليمية الكبرى، تجسد إعادة ترتيب في أولوية الرهانات الاستراتيجية لدى النظام الجزائري، في ظل انعطافة دولية وإقليمية متسارعة.

فبعد أشهر من التوتر الحاد في العلاقات الثنائية بين الجزائر وإسبانيا، على خلفية اندلاع الخلاف الدبلوماسي بسبب موقف مدريد من ملف الصحراء المغربية، بدا القرار الجزائري وكأنه اعتراف ضمني بحدود أدوات الضغط التقليدية التي راهنت عليها الجزائر ولم تحقق ما كانت تنشده من تغيير في المواقف الإسبانية. وقد اكتسب هذا الاعتراف بعداً رمزياً وسياسياً، ليس فقط لأنه إعادة تفعيل لمعاهدة توقفت، بل لأنه مؤشر على تراجع صيغة التصعيد في السياسة الخارجية الجزائرية مقابل منطق إدارة التوازنات، الذي تفرضه ديناميات الواقع الدولي.

ضغط فاشل… اقتصاديات مضغوطة

المحلل السياسي الجزائري رفيق بوهلال وصف القرار بأنه تراجع دبلوماسي صريح، لا لكونه تنحية للخطاب الوطني تجاه ملف الصحراء، بل لأنه جاء من دون أي تنازل ملموس من الجانب الإسباني في هذا الملف. وفي حديثه مع جريدة هسبريس، رأى بوهلال أن العقوبات الدبلوماسية لم تؤدِ إلى زحزحة المواقف الإسبانية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، مما حول ما كان يُفترض أنه ورقة ضغط إلى خسارة استراتيجية مكتملة الأركان.

كما أشار بوهلال إلى هشاشة استراتيجية الجزائر في توظيف ورقة الطاقة كأداة مساومة سياسية داخل المتوسط الأوروبي، لافتاً أن تعليق الضخ عبر أنبوب الغاز المار بالمغرب لم يحقق أهدافه المرجوة، بل كلّف الجزائر مئات الملايين من الدولارات نتيجة انعكاساته السلبية على اقتصادها، بينما دفع الشركات الإسبانية على نحو متسارع إلى نقل استثماراتها وتعميق شراكاتها مع السوق المغربية.

وقد تناول المتحدث ذاته في تحليله الفرق الكبير بين اقتصاد الجزائر وإسبانيا، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإسباني الذي يتجاوز 2200 مليار دولار يقف في مقابل نظيره الجزائري الذي لا يتجاوز 267 مليار دولار، ما يجعل فكرة “الندية الاقتصادية” بين الطرفين ضرباً من الخيال. واعتبر أن النجاحات الدبلوماسية المغربية منذ عام 2020 في ملف الصحراء أدت إلى “وضع الجزائر في زاوية حرجة”، مجبرة إياها على “العودة إلى بيت الطاعة الدبلوماسي والاقتصادي الإسباني بعد سلسلة رهانات خاسرة”.

تموضع اضطراري… أم استدارة براغماتية؟

بدوره، الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد يرى أن إعادة تفعيل المعاهدة لا يمكن فهمها كـ “خطوة تقنية معزولة”، بل كـ رد فعل اضطراري ضمن معادلة جيوسياسية متبدلة بشكل سريع. ففي عام 2022، استخدمت الجزائر أدوات العلاقات الثنائية كـ “وسيلة ضغط عقابي” لمعاقبة مدريد على موقفها من الصحراء، في محاولة لإظهار أن المسار الدبلوماسي لن يكون مجانياً إذا انحرفت دول عن رؤية الجزائر. لكن هذا الرهان لم يُسفر عن النتائج المطلوبة، إذ حافظت إسبانيا على حزمها في موقفها، بينما تكبدت الجزائر “كلفة اقتصادية ودبلوماسية صامتة”، في وقت تُطالب فيه أوروبا بخيارات طاقية مستقرة بعيداً عن الشروط السياسية المتقلبة.

ويضيف معتضد أن الدول الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا، لم تعد تتعامل مع ملف الصحراء كموضوع قابل للابتزاز الثنائي، بل كقضية أممية مؤطرة ضمن ديناميات مجلس الأمن الدولي، وتؤسس تعاطيها معه على واقع المصالح المشتركة والاتفاقيات الدولية، وليس على الانجرار خلف صيغ ثنائية متقلبة. وفي هذا السياق، ظهرت إعادة تفعيل المعاهدة كـ محاولة لإعادة إدماج الجزائر في ديناميات المتوسط الاقتصادية، مع ترك الباب مفتوحاً للحفاظ على الخطاب السياسي التقليدي، وهو ما يُمثل في جوهره فصلاً بين الخطاب والأفعال.

خسائر محتواة… وتوازنات جديدة

وفي قراءة أعمق، تجسد خطوة الجزائر ما يمكن تسميته دبلوماسية احتواء الخسائر، وليس مجرد تصحيح أخطاء. فالحديث عن عودة للمعاهدة لا يعني نسيان الخلافات السابقة، ولكن يشير إلى إدراك أن استمرار القطيعة كان يعني عملياً تقليص هامش المناورة الاقتصادية في ظرف دولي متقلب في أسواق الطاقة، وحاجة حقيقية إلى تنويع الشراكات والاستثمارات.

ومن هنا، تظهر هذه الخطوة كـ محاولة لإعادة التوازن بعد اختبار حدود التصعيد، داخل بيئة دولية لم تعد تسمح بتسييس كل الملفات الثنائية على أساس نزاع إقليمي واحد. إنها محاولة لإعادة بناء جسر مصالح بديلة وسط عالم يعيد تشكيل حساباته، حتى لأولئك الذين راهنوا طويلاً على تجميدها.

خاتمة: قراءة في الأبعاد

بهذا المعنى، يمكن القول إن الخطوة الجزائرية الأخيرة ليست مجرد حركة دبلوماسية عابرة، ولا مجرد عودة لمعاهدة توقفت في دفتر العلاقات الثنائية. بل هي إعلان سياسي صامت, يعكس تراجعاً في استراتيجيات الضغط القديمة, ويدل على إدراك متأخر بضرورة بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة والتحكم في كلفة التوترات. كما يكشف، في الوقت نفسه، عن حدود أدوات القوة التقليدية في مواجهة واقع اقتصادي وجيوسياسي جديد، يتطلب موازنة بين البراغماتية والحدود الوطنية.