في سياق إعادة صياغة عميقة لسياسات التنمية الترابية، قدم وزير الداخلية أمام المجلس الوزاري، الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفزه الله ورعاه يوم 09 أبريل 2026 بالرباط، ملامح “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة”، في مشروع ضخم يهدف إلى إعادة هيكلة طريقة إعداد وتنفيذ السياسات العمومية محليًا، بغلاف مالي يناهز 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات. غير أن هذا الورش، رغم طابعه التقني والمؤسساتي الطموح، أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا ظل حاضرًا في التجربة المغربية منذ دستور 2011: هل نحن أمام تعميق فعلي للامركزية، أم أمام إعادة ترتيب جديدة للمركزية بصيغة أكثر مرونة؟
هندسة جديدة للتنمية الترابية: بين التشخيص المحلي وإعادة التنظيم المؤسسي
يرتكز هذا البرنامج على مقاربة تقوم على التشخيص الترابي للحاجيات، وربط القرار التنموي بالمعطيات المحلية، مع إحداث آليات تنفيذ جديدة، من بينها تحويل وكالات تنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، وتعزيز التنسيق بين المستويات المحلية والجهوية والوطنية. كما يقوم على هيكلة ثلاثية: لجان محلية تحت إشراف العمال، تنسيق جهوي عبر الولاة، ولجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة تتولى المصادقة النهائية وتعبئة التمويلات.
هذا التصميم، في ظاهره، يعكس محاولة لتجاوز بطء المساطر التقليدية، واعتماد أدوات تدبير حديثة قائمة على النجاعة والمحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج. لكنه في العمق يفتح نقاشًا حول طبيعة السلطة الفعلية داخل هذا النموذج الجديد: هل تنتقل فعلاً نحو الفاعل الترابي المنتخب، أم تعاد هندستها داخل دوائر الإدارة المركزية بشكل غير مباشر؟
قراءة نقدية: هل تتراجع اللامركزية أمام فعالية الدولة المركزية؟
يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، محمد باسك منار، أن الإشكال لا يكمن فقط في أدوات التنفيذ، بل في فلسفة توزيع السلطة نفسها. فبرغم أن دستور 2011 رسّخ الجهوية المتقدمة والانتخاب المباشر للجهات، فإن الممارسة، حسب تعبيره، لم تُترجم هذا التحول بشكل كامل، حيث لا تزال السلطات الترابية، وخاصة العمال والولاة، تلعب أدوارًا تتجاوز الإشراف إلى التأثير الفعلي في مجالات تدخل ضمن اختصاصات المجالس المنتخبة.
ويستند هذا الطرح إلى مواد قانونية واضحة، من بينها المادة 78 من القانون التنظيمي للجماعات والمادة 86 من القانون التنظيمي للجهات، التي تمنح للمجالس المنتخبة صلاحيات إعداد برامج التنمية. غير أن الواقع، وفق هذا التصور النقدي، يكشف استمرار حضور قوي للسلطة الإدارية في توجيه القرار الترابي، ما يطرح سؤالًا حول مدى اكتمال مسار اللامركزية.
الأكثر من ذلك، يلفت هذا الاتجاه الأكاديمي الانتباه إلى مفارقة لافتة: في الوقت الذي يرفع فيه الخطاب الرسمي شعار الديمقراطية التشاركية، يتم في المقابل ترسيخ صورة نمطية عن محدودية كفاءة المنتخبين المحليين، ما يخلق، حسب هذا التحليل، مبررًا غير مباشر لتقوية مركز القرار الإداري.
كما يُطرح تساؤل إضافي حول التحولات المؤسسية الجديدة، خاصة تحويل وكالات تنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، باعتباره خيارًا تقنيًا قد يحمل في طياته إعادة توزيع غير معلنة للأدوار بين الدولة والجماعات الترابية، وهو ما يستدعي، وفق هذا الرأي، مزيدًا من التوضيح حول خلفياته وأهدافه.
وفي خلفية هذا النقاش، يذهب هذا التصور إلى أن تعثر تنزيل اللامركزية الفعلية قد يشكل تناقضًا بنيويًا مع رهانات استراتيجية كبرى، من بينها نموذج الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، باعتبار أن مصداقية هذا النموذج ترتبط بمدى نضج التجربة اللامركزية داخليًا.
وجهة نظر مغايرة: التكامل بدل التقابل بين الدولة والجهات
في المقابل، يقدم أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، كمال الهشومي، قراءة مختلفة تنطلق من منطق الاستمرارية لا القطيعة. فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بتراجع في اللامركزية، بل بإعادة تنظيم للفاعلين داخل تصور جديد للسياسات العمومية الترابية، يقوم على التقييم المستمر وربط النتائج بالأثر التنموي.
ويؤكد هذا الطرح أن الإشكال الأساسي الذي تسعى هذه البرامج إلى معالجته يتمثل في التفاوتات المجالية وغياب النجاعة في تنفيذ المشاريع، وليس في إعادة مركزية القرار. ومن هذا المنظور، فإن تدخل وزارة الداخلية لا يُفهم كعودة إلى الوصاية، بل كوظيفة تأطيرية وتنسيقية تستند إلى مقتضيات دستور 2011.
كما يشدد هذا الاتجاه على ضرورة عدم اختزال التجربة المحلية في بعض النماذج السلبية، لأن الواقع، بحسبه، يضم أيضًا تجارب ناجحة لمنتخبين محليين أثبتوا قدرتهم على التدبير الفعال. وبالتالي، فإن الحل لا يكمن في تقليص دور أي طرف، بل في بناء تكامل وظيفي بين الدولة والجهات المنتخبة.
في هذا الإطار، تُقرأ الهيكلة الجديدة باعتبارها محاولة لإعادة ضبط دورة القرار العمومي: من التشخيص المحلي، إلى التنسيق الجهوي، وصولًا إلى القرار الوطني، بما يضمن الانسجام وتعبئة الموارد، مع إدخال مؤشرات قياس الأثر لضمان تتبع النتائج بدل الاكتفاء بتنفيذ المشاريع.
بين فعالية التدبير ومخاطر إعادة إنتاج المركزية
بين هذين التصورين، يتحدد جوهر النقاش الحقيقي: هل يمكن بناء نموذج تنموي ترابي فعال دون إعادة إنتاج المركزية بشكل مقنع تقنيًا؟ أم أن تعقيد التفاوتات المجالية يفرض، مرحليًا، عودة الدولة المركزية بقوة أكبر لضبط الإيقاع التنموي؟
ما يبدو واضحًا أن “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية” لا يمثل مجرد ورش تقني، بل يعيد فتح سؤال العلاقة بين الدولة والتراب، بين المنتخب والإدارة، وبين الديمقراطية المحلية وفعالية القرار العمومي. وهو سؤال لا يتعلق فقط بهندسة المؤسسات، بل بطبيعة العقد السياسي والاجتماعي الذي سيحدد مستقبل الحكامة الترابية في المغرب خلال السنوات