الحرس الثوري يتوعد بـ”أكبر هجوم”… هل نحن على أبواب حرب شاملة؟

0
106

في لحظة تبدو أقرب إلى انعطافة تاريخية كبرى في الشرق الأوسط، تدخل المواجهة بين طهران وواشنطن، ومعهما تل أبيب، طورًا غير مسبوق من التصعيد، عنوانه اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وما تبعه من تهديدات متبادلة توحي بأن المنطقة تقف على حافة إعادة تشكيل جيوسياسي عميق، قد لا تقتصر تداعياته على ميزان القوى العسكري، بل تمتد إلى بنية النظام الإيراني نفسه، وأمن الطاقة العالمي، واستقرار دول الخليج.

الضربة التي أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أنها أودت بحياة خامنئي، لم تُقرأ في طهران كعملية عسكرية معزولة، بل كجزء من استراتيجية معلنة لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية. وسرعان ما أكدت وسائل إعلام رسمية إيرانية مقتله، في سابقة هي الأخطر منذ قيام النظام عام 1979. ولم تمضِ ساعات حتى أُعلن عن مقتل رئيس أركان القوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، ما عمّق صورة الاستهداف المنهجي لرأس الهرم السياسي والعسكري في البلاد.

في واشنطن، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغة التهديد الصريح، متوعدًا بضرب إيران “بقوة لم يسبق لها مثيل” إذا ما أقدمت على الرد. هذا الخطاب، الذي يجمع بين الردع والاستفزاز، يعكس مفارقة استراتيجية: إدارة تعلن رفضها الانخراط في حروب خارجية طويلة، لكنها تجد نفسها تقود أخطر مواجهة مباشرة مع طهران منذ عقود.

في المقابل، لم تتأخر طهران في محاولة لملمة المشهد الداخلي. أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني أعلن تشكيل مجلس قيادة مؤقت، في خطوة تهدف إلى احتواء الفراغ الدستوري ومنع انزلاق البلاد إلى صراع أجنحة داخل النظام. غير أن تحذيره “الجماعات الانفصالية” من رد قاسٍ يكشف عن هاجس مضاعف: ليس فقط مواجهة الخارج، بل أيضًا منع تفكك الداخل في لحظة ضعف تاريخية.

أما في تل أبيب، فقد أكد مصدر مطلع أن الاستراتيجية العسكرية لم تتغير بعد مقتل خامنئي، وأن الضربات ستستمر لاستهداف البنية الصاروخية الإيرانية والقيادات المؤثرة. ويعني ذلك أن العملية لم تكن “ضربة رأس” لإنهاء المواجهة، بل حلقة في حملة طويلة المدى لإعادة رسم قواعد الاشتباك.

إقليميًا، اتسعت رقعة النار بسرعة. دوي انفجارات في دبي والدوحة، اعتراضات صاروخية في سماء تل أبيب، وصفارات إنذار متكررة، كلها مؤشرات على أن ساحة المواجهة لم تعد محصورة بين إيران وإسرائيل أو إيران والولايات المتحدة، بل باتت تشمل المجال الحيوي الخليجي بأكمله. استهداف منشآت ومطارات وموانئ، بينها ميناء جبل علي، أدخل قطاع الطيران والطاقة في حالة اضطراب حاد.

الخطوة الأخطر تمثلت في إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط. هذا القرار، إن استمر، لا يعني فقط ارتفاعًا حادًا في الأسعار، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ، ويدفع تحالف أوبك+ إلى خيارات صعبة، بين زيادة الإنتاج أو المخاطرة بفقدان السيطرة على السوق.

في الداخل الإيراني، المشهد أكثر تعقيدًا مما توحي به البيانات الرسمية. فبينما تعهد الحرس الثوري الإسلامي بأكبر هجوم على القواعد الأميركية وإسرائيل، تداولت وسائل إعلام ومقاطع غير مؤكدة مشاهد احتفالات محدودة في بعض المدن عقب إعلان مقتل خامنئي. هذه الصور – إن صحت – تعكس انقسامًا اجتماعيًا كامناً، غذّته سنوات من العقوبات، والاحتجاجات، وتآكل الثقة بين السلطة وشرائح من المجتمع.

لكن اغتيال رأس النظام لا يعني بالضرورة سقوطه. فبنية الجمهورية الإسلامية قائمة على شبكة مؤسسات عقائدية وأمنية معقدة، يتداخل فيها دور مجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة، والحرس الثوري. أي انتقال للسلطة سيجري داخل هذه المنظومة، لا خارجها، ما لم يتعرض النظام لهزة شعبية واسعة النطاق، وهو سيناريو لا يزال مفتوحًا لكنه غير محسوم.

في المقابل، تبرر واشنطن الضربات باعتبارها ضرورة لإنهاء “تهديد استمر عقودًا” ومنع إيران من تطوير سلاح نووي. غير أن هذا التبرير يصطدم بحقيقة أن استهداف أعلى سلطة دينية وسياسية في إيران يمثل قفزة نوعية في قواعد الاشتباك، وقد يدفع أطرافًا إقليمية أخرى إلى إعادة حساباتها، خصوصًا في ظل هشاشة التوازنات الأمنية في الخليج.

هكذا، يتداخل العسكري بالسياسي، والداخلي بالإقليمي، في لحظة فارقة قد تعيد تعريف مفهوم الردع في الشرق الأوسط. فإما أن ينجح التصعيد في فرض معادلة جديدة تُرغم طهران على إعادة تموضع استراتيجي، أو ينزلق الجميع إلى مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات، تبدأ بالصواريخ ولا يُعرف أين تنتهي.

المؤكد أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل هذه الضربة. أما ما إذا كانت تتجه نحو إعادة ترتيب قاسٍ للتوازنات، أم إلى فوضى ممتدة، فسيحدده ليس فقط حجم الرد الإيراني، بل قدرة الأطراف كافة على قراءة حدود القوة قبل تجاوز نقطة اللاعودة.