ليس جديدًا أن يثير مشروع قانون منظم لمهنة المحاماة نقاشًا حادًا داخل الجسم المهني. الجديد هذه المرة هو الصمت الحكومي في مواجهة مطالب واضحة بالحوار، وصادرة عن فاعل مركزي في منظومة العدالة، يملك شرعية تاريخية ودستورية، لا مجرد صفة مهنية عابرة.
جمعية هيئات المحامين بالمغرب لا تتحدث عن خلاف تقني حول بعض المقتضيات، بل عن غياب آلية الحوار من الأصل. فحسب ما أعلنته، لم تبادر الحكومة، إلى حدود اللحظة، إلى دعوة ممثلي هيئات الدفاع لمناقشة مستجدات مشروع قانون المهنة، وهو ما اعتبرته الجمعية مسًّا صريحًا بروح المقاربة التشاركية التي يُفترض أن تؤطر إعداد القوانين، خاصة تلك التي تمس مهنًا مرتبطة مباشرة بالحقوق والحريات.
التصعيد… خيار اضطراري أم رسالة سياسية؟
البرنامج الاحتجاجي الذي سطّرته الجمعية، والمتضمن لتوقف المحامين عن أداء عدد من الخدمات المهنية خلال أيام محددة من شهر يناير، لا يمكن قراءته فقط بوصفه فعل ضغط نقابي. الأمر يتجاوز ذلك إلى رسالة سياسية-مؤسساتية مفادها أن تمرير قانون من هذا الحجم دون توافق، قد يفتح الباب أمام توترات أعمق داخل منظومة العدالة.
هنا، لا يبدو التصعيد غاية في حد ذاته، بقدر ما يُقدَّم كأداة اضطرارية لفرض العودة إلى منطق الحوار. فالجمعية تربط بشكل صريح بين تعليق هذا البرنامج ووجود “إرادة حقيقية” للجلوس إلى طاولة تفاوض مؤسساتي، يُفضي إلى توافقات تحترم استقلال المهنة، دون أن تعيق في المقابل تحديث العدالة.
ما بين السطور: خوف من سابقة لا من نص
تصريحات رئيس الجمعية، الحسين الزياني، تحمل في ظاهرها لغة هادئة، لكنها تخفي قلقًا أعمق.
التحذير من “مسار مفروض” لا ينطلق فقط من مضمون مشروع القانون، بل من المنهج المعتمد في إعداده. فالخشية، كما يُفهم من الخطاب، ليست من نص بعينه، بل من ترسيخ سابقة تشريعية يتم فيها تجاوز الفاعلين الأساسيين، وفرض قواعد جديدة على مهنة يُفترض أنها شريك في إنتاج العدالة، لا مجرد متلقٍّ لها.
عندما يتحدث الزياني عن “مآلات معقدة ومتعددة المستويات”، فهو لا يلوّح بتهديد مباشر، بل يُذكّر بأن أي اختلال في علاقة المحاماة بالمؤسسة التشريعية والتنفيذية، ستكون له انعكاسات قانونية، مؤسساتية، وربما اجتماعية، يصعب التحكم فيها لاحقًا.
دستور 2011… مرجعية مؤجلة؟
استحضار دستور 2011 في خطاب الجمعية ليس تفصيلاً لغويًا. الدستور، بما يحمله من قيم المشاركة والديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة، يُستخدم هنا كمرجعية أخلاقية وقانونية لمساءلة المنهج، لا النوايا.
حين يؤكد رئيس الجمعية أن “المحاماة لا يمكن تدجينها”، فالمقصود ليس رفض الإصلاح، بل رفض إفراغ الاستقلالية من مضمونها، وتحويل المهنة إلى مجرد وظيفة تقنية خاضعة لمنطق القرار الأحادي. في هذا السياق، يصبح استقلال المحاماة شرطًا لسلامة العدالة نفسها، لا امتيازًا فئويا.
بين الحزم والانفتاح… معادلة دقيقة
رغم حدة المواقف، تحرص الجمعية على التأكيد المتكرر على تشبثها بالحوار والتوافق. هذا التوازن بين الحزم في الثوابت والانفتاح على النقاش، يعكس وعيًا بأن أي مواجهة مفتوحة قد تضر بصورة المهنة، وبثقة المواطن في العدالة.
لكن في المقابل، يبدو واضحًا أن الجسم المهني لا يرغب في تحمّل تبعات اختيارات لم يكن شريكًا في صياغتها. وهو ما يفسر هذا الاصطفاف الواسع داخل صفوف المحامين، والذي يُقدَّم باعتباره وحدة رؤية ومسؤولية، لا مجرد رد فعل ظرفي.
خلاصة مفتوحة
ما يجري اليوم بين الحكومة وجمعية هيئات المحامين ليس مجرد خلاف حول قانون، بل اختبار فعلي لحدود المقاربة التشاركية في المغرب. إما أن يُعاد فتح قنوات الحوار، بما يليق بثقل المهنة ودورها الدستوري، أو أن يستمر منطق التأجيل والصمت، بما يحمله من مخاطر على مناخ الثقة داخل منظومة العدالة.
في الحالتين، يبقى السؤال معلقًا: هل يُنظر إلى المحاماة كشريك في بناء دولة الحق والقانون، أم كفاعل يجب تدبيره بأدوات الأمر الواقع؟
سؤال لا يهم المحامين وحدهم، بل كل من يعنيه مستقبل العدالة في المغرب.