في لحظة تبدو فيها الدولة المغربية وكأنها تعيد اختبار قدرتها على إدارة الكوارث الطبيعية، أعلنت الحكومة عن إطلاق برنامج دعم ومواكبة للمتضررين من الفيضانات التي ضربت شمال وغرب المملكة، تحت إشراف مباشر من الملك محمد السادس. الإعلان في ظاهره يحمل لغة الاطمئنان: 6000 درهم لكل أسرة متضررة، 15 ألف درهم لإصلاح المساكن والمحلات، و140 ألف درهم لإعادة بناء المنازل المنهارة. غير أن هذا الخطاب، الذي يبدو تقنياً وإدارياً، يفتح في عمقه أسئلة سياسية واجتماعية عميقة حول معنى الدعم، وحدوده، وفعاليته في الواقع اليومي للمواطنين.
البرنامج، كما قدمته رئاسة الحكومة، يستند إلى “تشخيص دقيق للوضع الميداني”، ويَعِد بتنزيل “سلس وشفاف” عبر لجان محلية وإجراءات رقمية بسيطة، من قبيل إرسال رسالة نصية إلى رقم مختصر يتضمن المعطيات الشخصية لرب الأسرة. على الورق، يبدو المسار سلساً: مواطن يرسل رسالة، إدارة تتحقق، ثم دعم يُصرف في آجال قريبة. لكن التجربة المغربية مع برامج الدعم السابقة تجعل هذا السيناريو أقرب إلى الصيغة النظرية منه إلى الواقع الملموس، خاصة في المناطق الهشة التي تعاني أصلاً من ضعف الولوج إلى الخدمات الإدارية والرقمية.
المثير في هذه المبادرة أنها تعيد إلى الواجهة المقارنة الحتمية مع تجربة إقليم الحوز بعد زلزال 2023. آنذاك، أُعلنت أرقام مشابهة، ورفعت شعارات كبيرة عن إعادة الإعمار السريع، غير أن التنفيذ تعثر في كثير من المناطق، وتأخر صرف التعويضات، وبرزت شكاوى متكررة حول الإقصاء، والبيروقراطية، وتضارب المعايير بين اللجان. هذا الإرث القريب يجعل من الصعب على الرأي العام أن يتعامل مع المبادرة الجديدة بمنطق الثقة المطلقة، حتى وإن تغير السياق الجغرافي واختلف نوع الكارثة.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بقيمة المبالغ المعلنة، بل بسؤال أوسع: هل يمكن فعلاً لمبلغ 6000 درهم أن يعوض أسرة فقدت أثاثها، أو تعطلت مصادر دخلها، أو غرقت محلاتها الصغيرة؟ وهل تكفي 140 ألف درهم لإعادة بناء منزل في زمن تضخم فيه أسعار مواد البناء وتضاعفت تكاليف اليد العاملة؟ الأرقام، رغم رمزيتها، تبدو أقرب إلى “إسعاف أولي” منها إلى حل بنيوي لمشكل اقتصادي واجتماعي معقد.
الحكومة تحاول أن تُظهر نفسها في موقع الفاعل الاستباقي، خاصة عبر الحديث عن لجان ميدانية، وبرامج فلاحية مرافقة، ودعم للكسابة. غير أن هذا الخطاب يعيد إنتاج نفس المنطق الذي طبع تدخلات الدولة في أزمات سابقة: التركيز على الإجراءات التقنية، مقابل غياب رؤية استراتيجية شاملة لإدارة المخاطر الطبيعية، سواء من حيث الوقاية، أو من حيث إعادة تهيئة المجال الترابي، أو حتى من حيث العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات.
الشق الفلاحي في المبادرة يكشف بدوره عن مفارقة واضحة. فالدعم المعلن للبذور والأسمدة والزراعات الربيعية يُقدَّم كحل لاستدراك الموسم، لكنه يتجاهل سؤالاً أساسياً: ماذا عن البنية التحتية المنهارة، وشبكات الري المتضررة، والطرق القروية التي تجعل أصلاً من الصعب على الفلاح تسويق منتوجه؟ هنا يتحول الدعم إلى إجراء ظرفي يعالج النتائج ولا يلامس الجذور.
سياسياً، يمكن قراءة المبادرة كجزء من استراتيجية تواصلية تسعى إلى تثبيت صورة الدولة الحاضنة، الساهرة على مواطنيها في لحظات الشدة. وهي صورة مشروعة في منطقها الرمزي، لكنها تصطدم بواقع معقد: واقع إدارة محلية ضعيفة، وموارد مالية محدودة، ومجتمع مدني يطالب بمزيد من الشفافية والمساءلة. فالمواطن لم يعد يكتفي بالوعود ولا بالأرقام المعلنة، بل ينتظر نتائج ملموسة في حياته اليومية.
الفرق الجوهري بين مبادرة الفيضانات ومبادرة الحوز لا يكمن في نوع الكارثة، بل في مستوى التعلم المؤسساتي. إذا بقيت نفس الاختلالات، من بطء في الصرف، وغموض في المعايير، وضعف في التتبع، فإن المبادرة الجديدة ستتحول إلى نسخة أخرى من قصة قديمة: دعم يُعلن عنه بقوة، ثم يتآكل تأثيره مع الزمن، تاركاً فجوة جديدة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.
في النهاية، لا يمكن إنكار أهمية التدخل الحكومي، ولا تجاهل القيمة الرمزية للتعليمات الملكية في تحريك دواليب الدولة. لكن التحدي الحقيقي لا يوجد في الإعلان عن الدعم، بل في كيفية تحويله إلى رافعة فعلية لإعادة الكرامة الاقتصادية والاجتماعية للمتضررين. بين لغة البلاغات وواقع القرى والمدن الغارقة، توجد مساحة واسعة من الشك، لن يملأها إلا التنفيذ الصارم، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تبقى المساعدات مجرد أرقام في الأخبار، بدل أن تتحول إلى حياة تستعاد.