الرسالة الملكية بعد الـ’كان’… الرياضة وسيلة، والأخوة الإفريقية الهدف

0
124

حين تصبح كرة القدم منصة للأخوة الإفريقية: رسالة الملك محمد السادس بعد نهائي كأس إفريقيا

الرباط – في لحظة كادت تتحول فيها مباراة نهائية إلى أزمة رمزية، تدخل الملك محمد السادس، حفظه الله، ليس كملك يعلق على نتيجة رياضية، بل كرجل دولة إفريقي يعرف جيدًا قيمة الرياضة كمساحة رمزية يمكن أن تُختبر فيها النيات وتتصارع فيها السرديات. فالنهائي بين المغرب والسنغال لم يكن مجرد مباراة، بل لحظة كثافة سياسية، شعبية وإعلامية، كان يمكن أن تتحول إلى شرخ طويل داخل الوجدان الإفريقي.

في رسالته السامية حول النسخة الـ35 من كأس أمم إفريقيا، لم يعلق الملك على قرارات الحكم أو لحظات الانفعال، بل أعاد ترتيب المعنى، موجهًا رسالة أكبر: إفريقيا التي يراها المغرب ليست قارة للصراعات، بل قارة للشراكة والمصير المشترك. كما قال جلالته:

“لا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية.”

هذه الجملة ليست مجرد توصيف عاطفي، بل خط أحمر سياسي وأخلاقي أمام أي محاولة لتحويل الانفعال الرياضي إلى شرخ بين الشعوب، وأيضًا تفسير لغياب تهنئة مباشرة للمنتخب السنغالي، الذي لم يكن سهوًا بروتوكوليًا بل اختيارًا دلاليًا محسوبًا: المغرب لا يريد اختزال الرسالة في منطق “الرابح والخاسر”، بل يرى الأخوة الإفريقية مسارًا تاريخيًا فوق أي مباراة.

الملك أقر بأن “وقائع وتصرفات مشينة” وقعت في الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، لكنه رفض أن تُصبح هذه اللحظات هوية للحدث. فالرسالة الملكية قطعت الطريق على محاولات تحويل قرار تحكيمي إلى مؤامرة، أو تحويل فوز السنغال إلى عداء للمغرب. كما قال جلالته:

“بمجرد أن تتراجع حدة الانفعال والعواطف، ستنتصر روابط الأخوة الإفريقية.”

هذه الرؤية تعكس تشخيصًا سياسيًا دقيقًا: الانفعال لحظة عابرة، والأخوة مسار تاريخي مستمر. والأخطر، والأكثر ذكاءً في الرسالة الملكية، قوله:

“هذا النجاح المغربي هو أيضًا نجاح لإفريقيا كلها.”

بهذا المعنى، لم يُقصد تسجيل هدف في مرمى السنغال، بل تأكيد قدرة المغرب على القيادة الإفريقية من خلال إنجازاته التنظيمية والاقتصادية والرياضية، دون أن يكون ذلك على حساب أحد. فالنجاح التجاري للبطولة، وارتفاع عدد الشركاء التجاريين من 9 إلى 23، والإشادة العالمية من “الكاف” ورئيسها موتسيبي، لا يُقرأ فقط اقتصاديًا، بل سياديًا وسياسيًا وإشعاعًا للقارة.

على أرض الملعب، شهدت المباراة جدلاً بسبب ركلة جزاء محتسبة للمغرب بعد العودة لتقنية حكم الفيديو، ما دفع لاعبي السنغال للانسحاب مؤقتًا قبل تدخل قائدهم ساديو ماني لإعادة زملائه. ومع ذلك، لم تكن هذه اللحظات هي جوهر الرسالة، بل كانت اختبارًا لعلاقة المغرب بالقارة، ولقدرة الرياضة على تعزيز التقارب بدل الانقسام.

في هذا السياق، يصبح عدم تهنئة السنغال ليس قصورًا رياضيًا، بل رفضًا لتحويل الأخوة الإفريقية إلى نتيجة مباراة، ورسالة واضحة بأن الرياضة يجب أن تبقى منصة للتقارب والإشعاع، لا للفتنة والاستقطاب. فالرسالة الملكية لم تكن خطاب تهنئة أو بيان مباراة، بل وثيقة سياسية–رمزية لحماية العلاقة المغربية–الإفريقية، وتحمييز كرة القدم عن الاستثمار في الضغينة، وتثبيت المغرب كقوة استقرار داخل القارة.

وبذلك، يصبح نهائي كأس إفريقيا في المغرب أكثر من مجرد مباراة؛ إنه مشهد يقرر معنى الانتصار الحقيقي: نجاح المغرب ليس على السنغال فقط، بل على التاريخ والمكانة والقارة كلها، رسالة عن إفريقيا التي يمكن أن تتحد، وتنجح، وتزدهر في ظل شراكة حقيقية ومصير مشترك.