في جلسة عمومية مشتركة بالبرلمان، حسمت زينب العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، الجدل الدائر حول حجم الفساد في المغرب، مؤكدة على ضرورة التمييز بين الانطباعات الشعبية ووقائع الرقابة الميدانية. وقالت العدوي إن “هناك شعوراً سائداً بأن المسؤولين عن الشأن العام لا يقدمون الحساب دائماً بالشكل الكافي، كما يسود انطباع بانتشار الإفلات من العقاب وفقدان الثقة في المؤسسات”، لكنها شددت على أن “تضخيم حجم الفساد قد يؤدي إلى أضرار لا تقل خطورة عن الفساد نفسه”.
وأضافت العدوي أن كل مهمة رقابية، سواء كانت على صعيد المؤسسات المركزية أو المجالس الجهوية، غالباً ما يُساء فهمها على أنها تحقيقات في جرائم مالية، في حين أنها تتبع مسطرة واضحة تتضمن ملاحظات أولية وتقارير نهائية بعد الاستماع للمعنيين. وأشارت إلى أن بعض التسريبات لملاحظات أولية من داخل الأجهزة المرصودة تأتي بقصد أو بسوء نية، لكنها غالباً لا تعكس التقرير النهائي الذي يأخذ بعين الاعتبار ردود الجهات المعنية.
حصيلة التأديب المالي: أرقام توضح الصورة
وفيما يخص عمل المحاكم المالية في مجال التأديب المالي، أوضحت الرئيسة الأولى أن عدد الملفات الرائجة لعام 2025 بلغ 412 ملفاً، تم البت في 130 منها. من بين هذه الملفات، أظهرت القرارات النهائية أن 38 ملفاً لم يثبت فيها أي مؤاخذة، فيما صدرت أحكام بالغرامة لنحو 92 ملفاً بإجمالي 4.6 ملايين درهم، و11 ملفاً قضى فيه بإرجاع المبالغ المطابقة للخسائر. كما أضافت العدوي أن عمليات الإرجاع والغرامات بلغت 5.9 ملايين درهم إجمالاً، وهو مبلغ محدود مقارنة بما يُسوّق حوله من فساد.
ولفتت إلى أن 80 في المائة من القضايا المطروحة على المجلس كانت من نصيب المؤسسات العمومية، وأن هذه القضايا شملت 141 جهازاً موزعة على جهتين وستة أقاليم و25 جماعة، إضافة إلى مؤسسات للتعاون بين الجماعات ومؤسسة عمومية محلية.
المسؤولون والموظفون: توزيع المخالفات
أما من حيث الأشخاص المعنيين بالقضايا، فتتوزع المخالفات بين المسؤولين والآمرين بالصرف بنسبة 46%، ورؤساء الأقسام والمصالح بنسبة 27%، والأعوان والموظفين بنسبة 27%. وعلى مستوى المجالس الجهوية، شملت الملفات 345 شخصاً، بينهم 160 آمراً بالصرف، و106 مسؤولين من فئة رؤساء الأقسام والمصالح ومحاسبين عموميين، و79 موظفاً آخر.
وأوضحت العدوي أن غالبية المخالفات تتعلق بـعدم الالتزام بقواعد صرف النفقات، الإدلاء بوثائق غير صحيحة، وعدم احترام النصوص التنظيمية للصفقات العمومية، وضعف نظم الرقابة الداخلية، مؤكدة أن بعض المخالفات تنتج عن غياب أو ضعف تدبير المخاطر، وعدم تطبيق دلائل المساطر، وضعف التنسيق بين المصالح، ومحدودية الموارد البشرية، وضعف ثقافة العمل الجماعي.
الرقابة الداخلية والتحول الرقمي
وفي هذا الإطار، شددت الرئيسة الأولى على أهمية تفعيل مشروع المراقبة الداخلية في الوزارات لتحسين الحكامة وتدبير المخاطر. كما أبرزت تطور الأداء الرقابي من خلال التدقيق الرقمي للحسابات، حيث تم تقديم أكثر من 29% من الحسابات بطريقة لا مادية، وعاد المحاسبون العموميون بما يقارب 16.5 مليون درهم قبل صدور الأحكام النهائية.
نتائج التدقيق: غالبية القرارات تبرئة ذمة
أسفرت عمليات التدقيق عن 5099 قراراً وحكماً نهائياً، منها 4838 قراراً بإبراء الذمة، و261 قراراً بوجود عجز بمبلغ 58.7 مليون درهم. وأكدت العدوي أن 95% من القرارات النهائية تتعلق بإبراء الذمة مقابل 5% فقط تخص وجود عجز، وغالبية العجز نتيجة ضعف تحصيل الموارد وليس مخالفات النفقة نفسها.
خلاصة
من خلال هذه الحصيلة المفصلة، يبدو أن الرقابة المالية في المغرب تعمل وفق مساطر دقيقة، وأن الغالبية العظمى من المسؤولين يتم تبرئتهم، وأن المبالغات الإعلامية بشأن حجم الفساد لا تعكس الواقع. كما تؤكد العدوي أن تحسين نظم الرقابة الداخلية وتعزيز الثقافة المؤسسية يمثلان الطريق الأنجع للحفاظ على المال العام وضمان فعالية المؤسسات.