لم تعد الفيضانات في القصر الكبير مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، بل تحوّلت إلى حالة استنفار ممتدة، تُدار بمنطق الوقاية القصوى وانتظار الأسوأ. مدينة بأكملها تعيش على إيقاع منسوب وادي اللوكوس، تراقبه لحظة بلحظة، وتبني قراراتها اليومية على احتمالات المطر أكثر مما تبنيها على الزمن أو الروتين.
مع توالي النشرات الإنذارية وتحذيرات الأرصاد الجوية من موجة تساقطات قوية، دخلت القصر الكبير مرحلة تعبئة غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: إجلاء عشرات الآلاف من السكان، وتعليق شبه كلي لإيقاع الحياة الطبيعية، في مشهد يعكس هشاشة التوازن بين الإنسان والطبيعة حين تختل المعادلة.
بحسب معطيات حصلت عليها “الصحيفة”، باشرت السلطات عمليات إجلاء واسعة شملت حوالي 48 ألف شخص، في خطوة احترازية تحسباً لعودة الفيضانات بقوة، خاصة مع توقعات أمطار قد ترفع منسوب الوادي إلى مستويات أخطر من تلك المسجلة خلال الأيام الماضية. عملية الإجلاء لم تكن مجرد إجراء إداري، بل قرار ثقيل الكلفة إنسانياً واجتماعياً، فرض على آلاف الأسر مغادرة بيوتها، دون يقين حول موعد العودة.
المشهد داخل المدينة يعكس حالة شلل جزئي: أحياء منخفضة غمرتها المياه، مرافق أساسية متضررة، اضطرابات في شبكتي الماء والكهرباء، وحركة سير شبه معطلة في عدد من المحاور الطرقية. وفي مواجهة هذا الوضع، انتشرت وحدات إنقاذ تابعة للقوات المسلحة الملكية لدعم عمليات الإجلاء، في مؤشر على حجم الخطر الذي تجاوز قدرات التدبير العادي.
الضغط لم يكن ناتجاً فقط عن التساقطات، بل أيضاً عن الوضع الحرج لسد وادي المخازن، الذي بلغ مستوى ملء كامل، ما استدعى الشروع في عمليات تفريغ متحكم فيها منذ أواخر يناير. هذه المياه المفرغة، رغم ضرورتها التقنية، زادت من حمولة وادي اللوكوس، وجعلت أي تساقط إضافي بمثابة تهديد مباشر للنسيج العمراني للمدينة.
أمام هذا السيناريو، فضّل عدد متزايد من السكان مغادرة منازلهم طوعاً، حتى قبل صدور تعليمات رسمية، في سلوك يعكس فقدان الثقة في قدرة البنية التحتية على الصمود أمام موجة جديدة من الأمطار. الخوف لم يعد افتراضياً، بل تجربة معيشة، راكمتها صور الغمر، وذكريات الخسائر، والإحساس الدائم بأن الأسوأ قد يكون قريباً.
ولتخفيف الضغط على المدينة، جرى تسخير أكثر من 70 حافلة لنقل المواطنين نحو مدن مجاورة، كما فُتح تنسيق استثنائي مع المكتب الوطني للسكك الحديدية لتسهيل التنقل عبر القطارات. كثير من العائلات استغلت هذه الإمكانية، وغادرت نحو أماكن أكثر أماناً، في هجرة مؤقتة فرضتها الضرورة لا الاختيار.



