الكاف تضرب بقوة: عقوبات وحرمانات بعد فوضى نهائي كأس إفريقيا

0
64
صورة: أ.ف.ب

في ليلة كان يُفترض أن تُسجَّل في ذاكرة الكرة الإفريقية بوصفها تتويجًا لعرس رياضي كبير في الرباط، تحوّل نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال إلى فصل مشحون بالتوتر والانفلات، انتهى بقرارات تأديبية ثقيلة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، كشفت أن ما جرى داخل المستطيل الأخضر وحوله لم يكن مجرد تفاصيل عابرة، بل مؤشرات على خلل أعمق في إدارة اللحظة والانفعال والضغط.

المباراة التي أُقيمت يوم 18 يناير، وتُوّجت بفوز السنغال في الوقت الإضافي بعد إضاعة إبراهيم دياز ركلة جزاء حاسمة، عرفت توقفًا دام قرابة ربع ساعة في دقائقها الأخيرة، بعدما هدّد لاعبو السنغال بالانسحاب احتجاجًا على قرارات تحكيمية، في مشهد غير مسبوق في نهائي قاري. هذا التوقف لم يكن سوى بداية سلسلة من الأحداث المتشابكة، التي امتزج فيها الاحتقان الجماهيري بالسلوكيات غير الرياضية للاعبين والأطقم الفنية.

لجنة الانضباط في “الكاف”، التي نظرت في الملف، رفضت احتجاج الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، معتبرة أن ما قدّمته لا يرقى إلى إثبات خروقات من جانب الاتحاد السنغالي، وفق ما تنص عليه المادتان 82 و84 من لوائح المسابقة. قرار الرفض هذا بدا في حد ذاته رسالة سياسية رياضية بقدر ما هو حكم قانوني، إذ أغلق باب الطعن المغربي وكرّس الرواية الرسمية للاتحاد القاري حول مجريات النهائي.

على مستوى العقوبات، لم يتردد “الكاف” في تسليط عقوبات صارمة على السنغال. فقد تم إيقاف مدربها باب تياو خمس مباريات رسمية في مسابقات الاتحاد الإفريقي، مع تغريمه 100 ألف دولار، بسبب ما وُصف بالسلوك غير الرياضي والإساءة لسمعة اللعبة. كما أُوقف اللاعبان إيليمان ندياي وإسماعيلا سار مباراتين لكل منهما، بسبب احتجاجهما العنيف على الحكم. إضافة إلى ذلك، غرّم الاتحاد السنغالي 600 ألف دولار موزعة بين عقوبتين: واحدة بسبب سلوك جماهيره العنيف، وأخرى بسبب تصرفات لاعبيه والجهاز الفني.

غير أن الرسالة الأوضح في قرارات اللجنة كانت التأكيد على أن هذه العقوبات لن تمتد إلى كأس العالم، بل ستُطبّق فقط في مسابقات “الكاف”، وهو ما يعني عمليًا أن تداعيات النهائي ستلاحق المنتخبين في تصفيات كأس إفريقيا 2027، لا في المحافل العالمية، في محاولة واضحة للفصل بين “الفضاء الإفريقي” وبقية الساحات الدولية.

المغرب بدوره لم يخرج سالمًا من غرفة العقوبات. فقد أوقف القائد أشرف حكيمي مباراتين، مع تعليق تنفيذ إحداهما لمدة عام، بسبب حادثة إخفاء مناشف حارس مرمى السنغال إدوار مندي، وهي الواقعة التي تحولت إلى رمز لما اعتبره “الكاف” سلوكًا غير رياضي يمس بروح اللعب النظيف. كما عوقب إسماعيل صيباري بالإيقاف ثلاث مباريات، وغُرّمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم 300 ألف دولار، بسبب تصرفات جامعي الكرات واقتحام اللاعبين والجهاز الفني لمنطقة تقنية الـVAR وعرقلة عمل الحكم.

خلف هذه الأرقام والقرارات، يبرز سؤال أعمق يتجاوز تفاصيل الإيقافات والغرامات: هل ما حدث في الرباط مجرد انفلات ظرفي في مباراة نهائية مشحونة، أم أنه يعكس أزمة أوسع في ثقافة التعامل مع الضغط داخل الكرة الإفريقية؟ فمشهد تهديد بالانسحاب، وعنف جماهيري، وسلوكيات احتجاجية داخل الملعب، كلها مؤشرات على أن التنظيم القاري لا يزال عاجزًا عن فرض هيبة القانون قبل صافرة النهاية، لا بعدها فقط.

في المحصلة، لم يكن نهائي الرباط مجرد خسارة لقب للمغرب أو تتويج جديد للسنغال، بل تحوّل إلى مرآة تعكس هشاشة العلاقة بين التنافس الرياضي والانضباط المؤسسي في القارة. قرارات “الكاف” قد تطوي الصفحة قانونيًا، لكنها تترك خلفها أثرًا رمزيًا ثقيلًا: كرة إفريقية بحاجة إلى مراجعة عميقة لقيم اللعب النظيف، قبل أن تصبح النهائيات ساحات صراع نفسي وإداري أكثر منها لحظات احتفال كروي.