المحاماة في مرمى الوصاية: هل يضع مشروع 66.23 العدالة تحت القبضة الإدارية؟

0
169

لا يحتاج المتابع للشأن الحقوقي في المغرب إلى كثير من التدقيق ليلاحظ أن شيئا مقلقا يتسلل بصمت إلى المشهد التشريعي. فمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة لا يبدو مجرد نص تقني لتحديث الإطار القانوني للمهنة، بقدر ما يحمل في طياته مؤشرات واضحة على ما يمكن تسميته بـ«الردة التشريعية» في أحد أكثر القطاعات حساسية في منظومة العدالة. وما تشهده ردهات المحاكم من احتجاجات وإضرابات للمحامين ليس خلافا فئويا حول امتيازات مهنية، بل تعبير جماعي عن خوف عميق من المساس بآخر جدار يفصل المواطن عن تغول السلطة الإدارية.

فالمحاماة، في بعدها التاريخي والكوني، لم تكن يوما مجرد نشاط مهني يهدف إلى الكسب، بل كانت دائما جزءا عضويا من فكرة العدالة نفسها. هي مؤسسة دستورية غير منصوص عليها صراحة في النصوص، لكنها متجذرة في فلسفة دولة الحق والقانون. وجود المحامي المستقل هو الضمانة العملية لكي لا تبقى المحاكمة العادلة مجرد شعار جميل في الدستور، بل ممارسة يومية تحمي الفرد من التعسف وتحول دون تحول القضاء إلى أداة في يد السلطة.

غير أن القراءة المتأنية لمشروع 66.23 تكشف توجها مختلفا، أقرب إلى إعادة هندسة المهنة على مقاس منطق الوصاية الإدارية. فبدل تعزيز استقلالية الدفاع، يبدو المشروع كأنه يسعى إلى «تأميم» المهنة بشكل غير معلن، وتحويل المحامي من فاعل حر في منظومة العدالة إلى موظف خاضع لشبكة من الضبط والمراقبة. هنا لا يعود السؤال تقنيا، بل سياسيا وحقوقيا بامتياز: أي عدالة يمكن أن تقوم إذا كان من يفترض فيه الدفاع عن المواطن خاضعا في وجوده المهني لإرادة الإدارة نفسها التي قد يكون خصمها؟

حين يطالب المحامون بالاستقلال، فهم لا يطالبون بحصانة من المساءلة أو امتياز خارج القانون، بل يطالبون بما هو أبسط وأعمق: الحق في ممارسة الدفاع دون خوف. إن نقل صلاحيات أساسية، مثل القيد في الجداول أو الترخيص للمكاتب، إلى يد وزارة العدل كما تقترحه بعض مواد المشروع، لا يشكل مجرد تعديل إداري، بل مساسا مباشرا بمبدأ الفصل بين السلط. فكيف يمكن لمحام أن يواجه شطط الإدارة، وهو يعلم أن مصيره المهني بيد الجهة نفسها التي قد يخاصمها في ملفات حساسة؟

في التجارب المقارنة، كما في الاتفاقيات الدولية الحديثة، ظل «الجدول المهني» شأنا سياديا للمحامين أنفسهم، باعتباره شرطا بنيويا لاستقلال الدفاع. أما منطق الوصاية الذي يتسلل إلى مشروع 66.23، فيبدو كعودة إلى نماذج تجاوزها التاريخ، حيث تتحول المهن الحرة إلى ملحقات وظيفية داخل الجهاز الإداري للدولة.

الأخطر من ذلك، هو ما تضمنته بعض المقتضيات التي تفتح الباب أمام متابعة المحامي بسبب «فعل الدفاع» نفسه. فاستعمال عبارات مطاطة من قبيل «المساس بسير العدالة» يضع حرية المرافعة تحت سيف دائم، ويجعل كل كلمة ينطق بها المحامي قابلة للتأويل العقابي. هنا لا نكون أمام تنظيم مهني، بل أمام ضبط سياسي للخطاب داخل قاعات المحكمة.

محام يخشى المتابعة أو العقوبة بسبب مرافعة جريئة، هو محام منزوع الوظيفة الرمزية. دفاعه يصبح شكليا، حضوره باهتا، ودوره أقرب إلى أداء بروتوكولي منه إلى ممارسة حقيقية للحق في الدفاع. وهو ما يتناقض جذريا مع ما استقرت عليه الاجتهادات الحقوقية الدولية، التي تعتبر حرية تعبير المحامي شرطا مسبقا للمحاكمة العادلة، لا امتيازا قابلا للتقييد الإداري.

في هذا السياق، لا يعود الصراع مهنيا، بل يتحول إلى قضية مجتمع. فالمساس باستقلال المحامي هو مساس مباشر بحق كل مواطن في الدفاع عن نفسه، وبحقه في عدالة لا تخضع لمنطق الخوف ولا تدار بعقلية الزجر. إضعاف الدفاع يعني بالضرورة إضعاف القضاء، وتقويض الأساس الرمزي لدولة الحق والقانون التي يطمح إليها المغاربة منذ عقود.

لذلك فإن ما تطالب به هيئات المحامين اليوم لا يمكن قراءته كدفاع عن مصالح قطاعية، بل كدفاع عن قيمة الحرية نفسها داخل المجال القضائي. فالتراجع عن المقتضيات المقلقة في مشروع 66.23، والعودة إلى حوار تشاركي حقيقي، ليس تنازلا من المشرع، بل استثمارا في مصداقية العدالة ومستقبلها.

خلاصة القول، إن المحاماة المستقلة ليست ترفا مؤسسيا، بل بوصلة أساسية للأمن القضائي. وإذا انكسرت هذه البوصلة، فلن يضل المحامون وحدهم الطريق، بل سيضيع معها المواطن والقاضي والدولة نفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا يريد المحامون؟ بل: أي نموذج للعدالة يريد المغرب أن يبنيه؟ عدالة حرة تحمي الجميع، أم عدالة خاضعة تعيد إنتاج الخوف في أكثر فضاءات المجتمع حساسية؟