المحروقات في المغرب: حين يدفع المستهلك أكثر مما يفرضه السوق… ومجلس المنافسة يكشف خلل التسعير المخفي

0
117

ليس كل ارتفاع في الأسعار يُقرأ من زاوية السوق العالمية فقط، وليس كل تراجع يُترجم بالضرورة إلى انفراج داخلي. في سوق المحروقات بالمغرب، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع المؤثرات الدولية مع اختلالات بنيوية داخلية، لتُنتج مشهدًا تسعيريًا لا يعكس دائمًا منطق الكلفة بقدر ما يكشف عن توازنات خفية بين الفاعلين.

في هذا السياق، جاء تشخيص مجلس المنافسة ليعيد ترتيب الأسئلة بدل تقديم أجوبة نهائية. فالمذكرة التحليلية التي همّت النصف الأول من مارس 2026 لا تكتفي برصد الأرقام، بل تذهب أبعد من ذلك، لتفكك آليات اشتغال السوق وتكشف عن تفاوتات يصعب تفسيرها فقط بعوامل خارجية. فالمغرب، باعتباره مستوردًا صافياً للطاقة ومرتبطًا بأسواق التوريد الأوروبية، خاصة مرجعية ARA، يفترض نظريًا أن ينقل تقلبات الأسعار الدولية بشكل شبه آلي إلى السوق المحلية. لكن الواقع، كما تُظهره المعطيات، لا يسير وفق هذا المنطق المبسط.

أول مظاهر هذا الاختلال يتجلى في التباين الصارخ بين الغازوال والبنزين. ففي الوقت الذي لم تُنقل فيه الزيادة الدولية للغازوال بالكامل إلى السوق الداخلية، حيث بقيت نسبة النقل في حدود 69.5%، نجد أن البنزين عرف سلوكًا معاكسًا، إذ تم تحميله زيادات تفوق كلفته العالمية. هنا، لا يتعلق الأمر بفارق تقني بسيط، بل بإشارة قوية إلى غياب نمط موحد في تسعير منتجين يخضعان لنفس السياق الدولي ونفس منظومة التوريد.

هذا التفاوت يفتح الباب أمام قراءة أعمق: هل نحن أمام إعادة توزيع غير معلنة لهوامش الربح بين المنتجات؟ أم أمام استراتيجيات تجارية متباينة تعتمدها الشركات وفق حسابات السوق؟ أم أن الأمر يعكس، ببساطة، هشاشة في آليات الضبط غير المباشر التي رافقت تحرير القطاع منذ 2015؟

المذكرة لا تقف عند حدود البيع النهائي، بل تنزل إلى ما هو أكثر حساسية: مرحلة البيع بالجملة. هناك، تظهر الفوارق بشكل أوضح، حيث تصل اختلافات الأسعار بين الموزعين إلى 0.20 درهم للتر بالنسبة للغازوال. هذا الرقم، وإن بدا محدودًا، يعكس في العمق تباينًا في السياسات التجارية، وربما في القدرة التفاوضية لكل فاعل داخل السوق. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي حد تعكس هذه الفوارق وجود منافسة حقيقية، أم أنها مجرد تنويعات داخل هامش متفق عليه ضمنيًا؟

المفارقة أن هذه الاختلالات، رغم وضوحها في المراحل الوسيطة، تتلاشى نسبيًا عند مستوى محطات الوقود. هناك، يفرض منطق القرب الجغرافي والمنافسة المحلية نوعًا من “الانضباط السعري”، حيث تتقارب الأسعار بشكل لافت. وهو ما يكشف عن سوق مزدوجة: واحدة غير مرئية تتحكم فيها حسابات الموزعين، وأخرى ظاهرة تخضع لضغط المستهلك وحساسيته المفرطة تجاه أي فارق ولو كان بسيطًا.

غير أن النقطة الأكثر إثارة للانتباه في قراءة مجلس المنافسة تتعلق بآلية تحديد الأسعار نفسها. فاستمرار العمل بنظام المراجعة نصف الشهرية، الموروث عن مرحلة ما قبل تحرير الأسعار، لم يعد محايدًا كما يبدو. صحيح أنه يوفر نوعًا من الاستقرار، لكنه في المقابل قد يخلق بيئة مواتية لسلوكيات الاصطفاف بين الفاعلين، بدل تحفيز المنافسة اللحظية. بمعنى آخر، قد يتحول هذا النظام من أداة تنظيم إلى عامل تجميد دينامية السوق.

فتح هذا الورش للنقاش من خلال مشاورات مع الفاعلين ليس مجرد إجراء تقني، بل اعتراف ضمني بأن نموذج تحرير الأسعار لم يكتمل بعد. فالسوق التي كان يُفترض أن تُدار بمنطق المنافسة الحرة لا تزال، وفق المؤشرات، رهينة توازنات دقيقة بين هوامش الربح، وشفافية التكاليف، وآليات الضبط غير المباشر.

وتزداد هذه الإشكالية حدة في ظل سياق دولي متقلب، حيث تواصل التوترات في الشرق الأوسط الضغط على أسعار النفط، ما يرفع كلفة الاستيراد ويُعقّد معادلة التسعير داخليًا. لكن، وفي مقابل هذا العامل الخارجي، يظل السؤال الداخلي أكثر إلحاحًا: هل تعكس الأسعار في المغرب فعلاً كلفة السوق، أم أنها نتيجة تفاعل معقد بين استراتيجيات الفاعلين وحدود الرقابة؟

في المحصلة، لا يبدو أن النقاش اليوم يدور فقط حول “غلاء البنزين”، بل حول نموذج تسعير بأكمله. نموذج يكشف، من خلال تفاصيله، أن تحرير الأسعار لم يكن نهاية تدخل الدولة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تنتقل السلطة من التنظيم المباشر إلى مراقبة توازنات سوق لم تستكمل بعد شروط الشفافية الكاملة.