“المحروقات في المغرب: 3 شركات تبتلع السوق و1700 مليار أرباح غير مراقبة… المواطن يدفع الثمن”

0
105

« وفق تقرير اللجنة البرلمانية الاستقصائية لسنة 2017، حققت شركات المحروقات أرباحًا غير مراقبة بلغت نحو 1700 مليار درهم »

في قلب نقاش اقتصادي يتجاوز مجرد السؤال عن أسعار الوقود، تتكشف في المغرب صورة معقدة عن هيمنة عدد قليل من الشركات على سوق المحروقات، وطرق استفادتها من الدعم الحكومي قبل رفعه، وآليات تحديد الأسعار بعد التحرير. هذا القطاع الذي يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وظروف عمل الاقتصاد الكلي، يكشف عن تداخلات بين أرباح الشركات، الهيمنة السوقية، وضعف آليات الرقابة، وغياب المنافسة الفعلية.

«من هم الفاعلون الرئيسيون في سوق المحروقات، وما هي حصتهم السوقية؟»

تشير بيانات حديثة مدققة في تقارير مراقبة السوق إلى أن السوق المغربي للوقود لا يزال مركزًا في أيدي فاعلين كبار. وفق تحليلات مجلس المنافسة، تسيطر تسع شركات كبرى على نحو 84% من سوق توزيع المحروقات في المغرب، سواء من حيث واردات الوقود أو حجمه المتداول في محطات الخدمة.

ورغم دخول شركات جديدة في السنوات الأخيرة، تبقى الحصة الكبرى في أيدي مجموعة محدودة، تُقدَّر بحسب أرقام غير رسمية من مصادر صحافية وعاملين في القطاع بأن أفريقيا SMDC تستحوذ على نسبة كبيرة من السوق بنحو 29% تقريبًا، وشركة شال حوالي 19%، و»طوطال« حوالي 12% من الحصة السوقية، بينما يتوزع الباقي (أقل من 40%) على أكثر من 20 شركة أصغر. (تشير هذه النسب إلى ترتيب نسبي مبني على تحليلات السوق والروايات الصحافية ذات الصلة، وليست حصيلة تقرير رسمي موحد منشور.)

هذه الهيمنة السوقية تجعل من هذه الشركات لاعبين أساسيين في تحديد ديناميات الأسعار والربحية، ما يجعل للهيكل السوقي أثرًا مباشرًا في القدرة التنافسية والطابع الريعي للقطاع.

أرباح المحروقات: بين الدعم والربحية الفعلية

أحد أبرز محاور الجدل حول هذا القطاع هو حجم الأرباح الصافية التي تحققها الشركات. تشير تقارير لجنة المنافسة أن سوق التوزيع حقق أرباحًا صافية في حدود 2.3 مليار درهم خلال سنة 2024، مقابل رقم معاملات إجمالي تجاوز 77.9 مليار درهم، ما يعكس هامش ربح صافي يقارب 2.9% في المتوسط، أي ما يعادل نحو 43 سنتيمًا في اللتر للغازوال و61 سنتيمًا للبنزين.

هذه الأرقام الرسمية، رغم أنها قد تُعد «هامشًا معقولًا» وفق بعض المسؤولين، تعكس في نفس الوقت تحقيق فاعلين كبار عائدات سنوية معتبرة تتضاعف بتوسع المبيعات وارتفاع حجم الواردات.

وتتداخل في هذا السياق مجموعة «أكوا» المملوكة لعزيز أخنوش، والتي تملك فرعين للطاقة: فرع الوقود (أفريقيا SMDC) وفرع الغاز (أفريقيا GAZ). ويُعتقد، وفق معلومات تداولتها بعض المصادر الاقتصادية، أن الأرباح السنوية لكلا الفرعين تصل إلى ما يقارب 160 مليار سنتيم تقريبًا، منها نحو 75 مليار سنتيم من نشاط الغاز (المدرج بالبورصة) خلال 2024، بينما يبقى تقدير أرباح فرع الوقود أقل دقة لكونه غير مدرج في البورصة. ويتحول هذا الرقم إلى أرباح تذهب في الغالب إلى المساهمين بدلًا من أن تُستثمر في تطوير السوق أو حماية المستهلك.

الدعم السابق ورفع الدعم: أزمة في التنفيذ وليس في المبدأ

لطالما كان نظام دعم المحروقات في المغرب أحد أهم آليات الدولة للتخفيف من عبء الأسعار على المواطنين، إذ كانت الشركات تقدم فواتير للحكومة ويُدفع لها الدعم دون تدقيق كافٍ في الكيفية أو الأثر الاقتصادي، وفق شهادات لمسؤولين حكوميين سابقين.

وعندما تم قرار رفع الدعم عن المحروقات لأسباب اقتصادية وأخلاقية، ظهر أن هذا القرار كان مبررًا على الورق: ارتفاع كلفة الدعم على خزينة الدولة، ورغبة في ترشيد الإنفاق العام، وجعل السوق أكثر ارتباطًا بأسعارها الحقيقية في الأسواق الدولية، خاصة أن أسعار الغازوال بعد الرفع كانت أقل من 8.50 درهم في بداية تطبيق القرار. لكن سرعان ما بدت النتائج مشوبة بعيوب تنفيذية؛ ففي غياب آليات رقابية صارمة على تحديد الأسعار المحلية، استغل بعض الفاعلين القطاع لرفع الأسعار بشكل غير مبرر نسبيًا، بل وتتبع ذلك مجلس المنافسة نفسه في عدة تقارير لاحقة كمؤشر على فوضى الأسعار، أو عجز بعض الشركات عن تمرير انخفاضات الأسعار الدولية بشكل كامل للمستهلكين.

من هذا المنطق، يمكن القول إن قرار رفع الدعم من حيث المبدأ كان صائبًا من وجهة نظر بعض الخبراء الاقتصاديين ومن تصريحات مسؤولين حكوميين، لكنه شابه قصور في التنفيذ والرقابة، حيث لم تُسن آليات حقيقية لكبح ممارسات الاحتكار أو ضمان انتقال الفروقات السعرية الدولية للمستهلك بطريقة شفافة وعادلة.

مغزى الأزمة: مصلحة المواطن أم مصلحة القطاع؟

في العمق، ليست القضية مجرد أسعار أو أرباح، بل تفاعل بين قواعد المنافسة، وثغرات الرقابة، وطبيعة العلاقات بين القطاع الخاص والدولة. ففي حين يدافع البعض عن تحرير القطاع وأهميته في جذب الاستثمار وتحديث السوق، يُنتقد آخرون ضعف الرقابة على الأسعار وممارسة بعض الشركات لسلوكيات لا تخدم الشفافية، وقد شُهد في الماضي فرض غرامات على شركات لخرقها قوانين المنافسة أو التواطؤ في تحديد الأسعار.

ختامًا، يظل السؤال الأهم هو: كيف يضمن المغرب أن تكون أسعار المحروقات عادلة للمستهلك، وأن تحقق شركات التوزيع ربحًا مشروعًا دون الإضرار بالقدرة الشرائية؟ الإجابة تتطلب إصلاحًا هيكليًا يشمل قوانين صارمة للمنافسة، رقابة شفافة على الأسعار، وإجراءات واضحة لمنع شد في الأسعار بدافع الاحتكار.