المحكمة تحسم في ملف “مشجعي الكان” وتُصدر أحكامًا رادعة في قضية التخريب

0
113

أصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط أحكامها في ملف أحداث التخريب التي رافقت نهائي كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2025″، كاشفة من خلال نص الحكم معطيات دقيقة تتجاوز الإطار الجنائي الصرف لتفتح نافذة على الخلفيات الاجتماعية والمهنية للمشجعين المتابعين. الملف الذي شغل الرأي العام الرياضي والقضائي معًا، لم يقتصر على توصيف الأفعال المنسوبة إلى 18 مشجعًا سنغاليًا ومشجع فرنسي من أصل جزائري، بل امتد إلى تحديد هوياتهم، مدن انتمائهم، أوضاعهم العائلية، ومجالات اشتغالهم، في مقاربة توثيقية تعكس حرص القضاء على ضبط الوقائع ضمن سياقها الكامل.

وكشف نص الحكم أن المشجعين السنغاليين ينحدرون من مدن متعددة داخل السنغال، من بينها دكار وسان لويس وكاولاك، وأن تركيبتهم المهنية متنوعة، إذ تضم تقنيين وأجراء ومستخدمين وأصحاب مهن حرة، إضافة إلى عسكري واحد، في حين أن الغالبية منهم متزوجون وأرباب أسر. هذه المعطيات تعطي الملف بعدًا إنسانيًا إضافيًا، حيث لم يتم التعامل مع المتابعين فقط كأطراف في واقعة شغب، بل كأفراد ينتمون إلى سياقات اجتماعية وعائلية واضحة، وهو ما انعكس لاحقًا في اعتماد القضاء لظروف التخفيف في حق 15 منهم.

وبحسب الوثيقة القضائية نفسها، تم تسجيل إقامة خمسة مشجعين مؤقتًا بأحد فنادق مدينة طنجة خلال فترة إيقافهم عقب أحداث المباراة النهائية. كما تبيّن أن مشجعين اثنين كانت إقامتهما بمدينة الدار البيضاء ومراكش على التوالي، في حين يقيم مشجع آخر بمدينة نابولي الإيطالية حيث يشتغل مستخدمًا بمكتب للهجرة، وهو أب لأربعة أبناء، ما يبرز تشعب الامتدادات الجغرافية والاجتماعية للمعنيين بالقضية. هذه التفاصيل، التي أوردها نص الحكم، تؤكد أن الحضور الجماهيري في المناسبات الكبرى يتجاوز الحدود الوطنية، لكنه قد يتحول إلى مساءلة قانونية حين تُسجل أفعال يُنظر إليها باعتبارها إخلالًا بقواعد النظام العام الرياضي.

أما المشجع الفرنسي من أصل جزائري، فقد أوضح الحكم أن إقامته المؤقتة كانت على سبيل الكراء بمدينة طنجة خلال فترة الإيقاف، وأنه ينحدر من باريس، مع الإشارة إلى تمثيله القانوني عبر محامٍ بهيئة الدار البيضاء. في المقابل، تولّى الدفاع عن المشجعين السنغاليين كل من محامية بهيئة الرباط ومحامٍ بهيئة جيرس بفرنسا، بالاستعانة بمترجم محلف، في مؤشر على الطابع الدولي للملف وتعقيداته القانونية المرتبطة بتعدد الجنسيات واختلاف الأنظمة القضائية المرجعية.

وعلى مستوى الأحكام، قضت المحكمة بعقوبة حبسية نافذة مدتها ثلاثة أشهر وغرامة مالية في حق أربعة متابعين، مع تبرئة المشجع الفرنسي من بعض الجنح المنسوبة إليه، بينما أصدرت حكمًا بستة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية في حق ستة مشجعين آخرين، قبل أن ترفع العقوبة إلى سنة كاملة حبسا نافذا وغرامة مالية أكبر في حق تسعة متابعين آخرين، مع تحميلهم الصائر تضامنًا. وجاءت التهم الموجهة إليهم لتشمل الولوج إلى الملعب أثناء مباراة رياضية، والمساهمة في أعمال عنف، والاعتداء على رجال القوة العمومية، وإلقاء أدوات صلبة، وإتلاف تجهيزات رياضية، وهي وقائع اعتبرت النيابة العامة أنها أثرت بشكل مباشر على أجواء المباراة النهائية، مقدّرة حجم الأضرار التي لحقت بملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط بنحو 4 ملايين و870 ألف درهم.

وإذا كان القضاء قد اقتنع بتمتيع أغلب المتابعين بظروف التخفيف، فإن الدفاع أعلن، عبر تصريحات علنية ومنشورات موثقة، الاقتناع بعدم الطعن في الحكم الابتدائي بالنسبة للمشجعين السنغاليين، معتبرًا أن الاستئناف قد يكرّس الإشكالات المرتبطة بحقوق الدفاع. في المقابل، لا يزال المشجع الفرنسي ذو الأصل الجزائري مترددًا بشأن خيار الطعن، في ظل تمسكه ببراءته واعتباره أنه لم يُواجه بأدلة كافية تثبت المنسوب إليه، مع انفتاح قانوني على مهلة زمنية للحسم في هذه الخطوة.

وهكذا، تحوّل ملف قضائي مرتبط بحدث رياضي جماهيري إلى قضية تتداخل فيها الأبعاد القانونية والإنسانية والرياضية، حيث لم تكن الأحكام مجرد ردّ على وقائع عنف داخل فضاء الملعب، بل أيضًا رسالة تنظيمية تؤكد أن الفضاء الرياضي، مهما كان حجمه الدولي، يظل خاضعًا لمنطق القانون وضوابط المسؤولية الجماعية والفردية.