المدرب الأعلى أجرًا و«الفوز الأدنى»: المفارقة المغربية أمام تنزانيا كدرس صامت للجميع

0
335

فوز بالحد الأدنى… وأسئلة بالحجم الكامل

لم يكن فوز المنتخب المغربي على تنزانيا بهدف دون رد، مساء الأحد بالرباط، مجرد تأهل جديد إلى ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم، بقدر ما كان لحظة كاشفة لفجوة صامتة بين النتيجة والانتظار، بين ما يُضَخّ في كرة القدم المغربية من أموال وطموحات، وما يُقدَّم فعليًا على أرضية الملعب أمام منتخب محدود الإمكانيات، جاء إلى هذا الدور بصفته “أحد أفضل الثوالث”، لا أكثر.

الهدف الذي وقّعه إبراهيم دياز في الدقيقة 64، ورفع به رصيده إلى أربعة أهداف في البطولة، منح المغرب بطاقة العبور، وأكد مرة أخرى قيمة اللاعب الفردية، لكنه في المقابل فتح بابًا واسعًا للأسئلة حول الأداء الجماعي، وحول طبيعة هذا “الحلم” الذي يُقال إن الأسود يواصلون السير نحوه بعد خمسين عامًا من الانتظار.

منتخب بإمكانات قارية… أمام خصم بلا تاريخ قاري

على الورق، لا تبدو المقارنة متكافئة أصلًا.
المغرب، أحد أكثر المنتخبات استقرارًا في إفريقيا، لاعبوه ينشطون في أكبر الدوريات الأوروبية، مدربه يُصنَّف ضمن الأعلى أجرًا في القارة، بنيته التحتية تُقدَّم كنموذج إفريقي، وملايير الدراهم تُضَخ سنويًا في كرة القدم تحت عنوان “مشروع استراتيجي”.

في الجهة المقابلة، تقف تنزانيا:
منتخب يلهث منذ عقود خلف فوزه الأول في العرس القاري، بلا ألقاب، بلا حضور ثابت، وبإمكانيات مالية وبشرية متواضعة. منتخب دخل ثمن النهائي بنقطتين فقط، وخرج مرفوع الرأس، لأنه ـ ببساطة ـ لعب مباراة أكبر من حجمه.

هنا، لا يتعلق السؤال بمن فاز ومن خسر، بل كيف فاز الأقوى؟ ولماذا بدا الفارق، الذي يفترض أن يكون واضحًا، ضيقًا إلى هذا الحد؟

تفوق فردي… وعطب جماعي مؤجَّل

المباراة، كما اعترف بذلك وليد الركراكي نفسه، لم تكن في مستوى ما اعتاده الجمهور. أخطاء تقنية غير مألوفة، بطء في النسق، صعوبة في تفكيك تكتل دفاعي منظم، واحتياج مستمر للحلول الفردية.

تنزانيا، وفق اعتراف مدربها الأرجنتيني غاموندي، “أغلقت المنافذ”، وقلّصت المساحات، وخرجت بإحصائيات تُحرج الفارق النظري بين المنتخبين: تسديدات قليلة، فرص محدودة، ومباراة بقيت معلّقة على تفصيلة واحدة.

هذا لا يُحسب ضد المغرب بقدر ما يُحسب له من زاوية النتيجة، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل يكفي التفوق الفردي، مهما كان بريقه، لصناعة منتخب بطل؟

المدرب الأغلى… والاختبار الأصعب

حين يُذكَر أن مدرب المنتخب المغربي يُصنَّف ضمن ثاني أو ثالث أعلى راتب في إفريقيا، وحين تُستحضر الملايين التي تُصرف على الإعداد، والمعسكرات، والبنيات، يصبح من الطبيعي أن تُقاس المباريات، ليس فقط بالنتيجة، بل بنوعية السيطرة، وبوضوح الفكرة، وبقدرة المنتخب على فرض منطقه دون انتظار لحظة إلهام فردي.

في المقابل، يقود تنزانيا مدرب بخبرة محترمة، لكن بموارد محدودة، وبلا مشروع طويل الأمد، ومع ذلك نجح في جعل المباراة “مزعجة” لمنتخب مرشح للقب.

المفارقة هنا ليست اتهامًا، بل مرآة: كلما ارتفعت الكلفة، ارتفع سقف التوقع، وكلما ضاق الفارق في الأداء، اتسعت مساحة التساؤل.

بين فرحة التأهل وقلق المسار

التأهل الخامس إلى ربع النهائي في تاريخ المغرب ليس تفصيلًا عابرًا، كما أن الحفاظ على الحلم القاري قيمة معنوية لا تُنكر. غير أن البطولات الكبرى لا تُربَح فقط بالحد الأدنى، ولا تُقاس فقط بعدد التذاكر المقطوعة، بل بقدرة المنتخب على التطور من مباراة إلى أخرى.

كلام دياز عن “ضرورة التحسن”، واعتراف الركراكي بعدم الرضا عن الأداء، إشارتان مهمتان، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في فوز باهت، بل في الاعتياد عليه.

خلاصة بلا أحكام

فاز المغرب، وهذا هو الأهم في منطق البطولة.
لكن تنزانيا، بخروجها المشرف، ذكّرت الجميع بأن كرة القدم لا تعترف بالميزانيات وحدها، ولا بالأسماء فقط، بل بمدى انسجام المشروع مع أدائه على الأرض.

بين منتخب يصرف الملايين ويُراهن على اللقب، ومنتخب يلعب بما تيسّر له من إمكانيات، ظهرت مباراة واحدة، لكنها حملت أكثر من قراءة، وأكثر من رسالة:
الطريق إلى الكأس لا يُقاس فقط بعدد النجوم… بل بمدى قدرة الفريق على أن يكون نجمًا واحدًا.