“المعارضة تفضح ارتفاع المحروقات: شبهة تنسيق وهشاشة المخزون”

0
91

ليست كل الزيادات في الأسعار مجرد انعكاسٍ آلي لتقلبات الأسواق الدولية، بل قد تتحول أحيانًا إلى مرآة تكشف ما هو أعمق: طريقة اشتغال السوق، وحدود المنافسة، وموقع الدولة داخل معادلة دقيقة بين التحرير والضبط. هذا بالضبط ما أعاد طرحه الجدل الأخير حول أسعار المحروقات في المغرب، بعد الارتفاع المفاجئ والمتزامن الذي شهده منتصف مارس 2026، والذي فتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الأرقام إلى منطق التسعير ذاته.

في هذا السياق، جاءت مداخلة عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، لتكسر السردية الجاهزة التي تربط كل زيادة بارتفاع أسعار النفط عالميًا. فالرجل لم يكتفِ بالتشكيك في التبريرات المقدمة من طرف شركات التوزيع، بل ذهب أبعد من ذلك، حين لمح إلى احتمال وجود تنسيق بين الفاعلين في السوق، مستندًا إلى معطى لافت: الزيادة تم تطبيقها بشكل متزامن، في التوقيت ذاته، عبر مختلف محطات الوقود.

هذا التزامن، في سوق يُفترض أنه محرر وتنافسي، لا يمكن قراءته فقط كصدفة تقنية، بل يطرح، في عمقه، سؤال احترام قواعد المنافسة. إذ من المفترض، نظريًا، أن تختلف الأسعار بين شركة وأخرى وفق كلفة الشراء وهوامش الربح واستراتيجيات السوق. لكن حين تتحول الأسعار إلى رقم شبه موحد، يُعلن عنه ضمنيًا في نفس اللحظة، فإن ذلك يُضعف فرضية التنافس، ويقوي فرضية “التناغم غير المعلن”.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود التزامن، بل يمتد إلى التوقيت الاقتصادي للزيادة. فالمعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الانتقال الطاقي كانت قد أكدت، قبل أيام فقط، أن المخزون الوطني من المحروقات في وضعية “جد جيدة”، ويتجاوز 30 يومًا. وهو ما يعني، منطقيًا، أن الكميات المعروضة في السوق تم اقتناؤها قبل الارتفاع الأخير في الأسعار الدولية المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط.

هنا يبرز التناقض الذي أشار إليه بوانو: إذا كان المخزون الحالي لم يتأثر بعد بالزيادات الدولية، فلماذا تم تمريرها فورًا إلى المستهلك؟ ولماذا لم تلعب هذه الاحتياطيات دورها الطبيعي كآلية لتخفيف الصدمات، وتأجيل انعكاسها على السوق الداخلية؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بتدبير ظرفي، بل يمس جوهر فلسفة المخزون الاستراتيجي: هل هو أداة لحماية السوق، أم مجرد رقم تقني في تقارير رسمية؟

في الخلفية، تتداخل عدة مستويات من التحليل. فمن جهة، لا يمكن إنكار تأثير السياق الدولي، حيث تعرف أسعار النفط تقلبات حادة بفعل الأزمات الجيوسياسية. لكن من جهة أخرى، تؤكد تجارب عديدة أن انتقال هذه التقلبات إلى الأسواق المحلية لا يتم بشكل فوري، بل يخضع لعوامل وسيطة، من بينها بنية السوق، ومستوى المنافسة، وآليات الضبط.

وفي الحالة المغربية، يبدو أن هذا الانتقال يتم بسرعة لافتة، ما يطرح فرضية وجود خلل في توازن العلاقة بين الفاعلين والسوق. فبدل أن تلعب المنافسة دورها في كبح الزيادات أو على الأقل تخفيفها، نجد أن الأسعار تتحرك في اتجاه واحد وبالوتيرة نفسها، وهو ما يعمق شعور المواطنين بأنهم خارج معادلة التسعير.

هذا الشعور لا ينبع فقط من الزيادة في حد ذاتها، بل من غموض منطقها. فحين يتلقى المواطن خطابًا رسميًا يطمئن بشأن وفرة المخزون، ثم يصطدم في اليوم نفسه بزيادة مفاجئة في الأسعار، يصبح من الصعب إقناعه بأن الأمر يتعلق فقط بعوامل خارجية. بل إن هذا التناقض يغذي الشك في وجود فجوة بين الخطاب والممارسة.

الأثر لا يتوقف عند محطات الوقود، بل يمتد سريعًا إلى باقي مفاصل الاقتصاد. فارتفاع أسعار المحروقات ينعكس مباشرة على كلفة النقل، ومنه إلى أسعار السلع والخدمات، ليصبح أحد أهم محركات التضخم. وفي سياق اقتصادي يتسم أصلاً بهشاشة القدرة الشرائية، تتحول هذه الزيادات إلى عامل ضغط إضافي على الأسر والمقاولات.

في المحصلة، تعيد هذه التطورات طرح أسئلة مؤجلة حول حكامة قطاع حيوي. لماذا لم يصل المخزون الاستراتيجي إلى 60 يومًا كما ينص عليه القانون؟ وما دور مؤسسات الحكامة، وعلى رأسها مجلس المنافسة، في مراقبة سلوك الفاعلين؟ وهل يكفي تحرير الأسعار لضمان سوق عادلة، أم أن الأمر يتطلب إعادة نظر أعمق في قواعد اللعبة؟

بهذا المعنى، لا تبدو تصريحات بوانو مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبيرًا عن إشكال بنيوي يتجدد مع كل أزمة. فالقضية لم تعد فقط في مستوى الأسعار، بل في شفافية آليات تحديدها، وفي قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاقتصادية.