المغرب على حافة الاختبار: أزمة نموذج تتجاوز الغلاء إلى سؤال الثقة بين الدولة والمجتمع

0
111

في لحظة دولية تتكثف فيها التوترات وتتقاطع فيها الأزمات، اختارت فيدرالية اليسار الديمقراطي أن ترفع منسوب خطابها إلى أقصى درجات التحذير، ليس فقط من باب المعارضة التقليدية، بل باعتبارها قراءة سياسية شاملة لوضع ترى أنه يتجه نحو التعقيد. الحزب، عبر مكتبه السياسي، لا يتحدث عن اختلال عابر، بل عن بنية داخلية “مقلقة” تتغذى من محيط دولي مضطرب، حيث تتحول الأزمات الخارجية إلى ضغط مباشر على الهشاشة الاجتماعية داخل المغرب.

في هذا السياق، تتقاطع قراءة الفيدرالية مع مؤشرات يومية يعيشها المواطن: ارتفاع متواصل في الأسعار، تآكل القدرة الشرائية، واتساع رقعة البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب والنساء. لكن ما يضفي على هذا التشخيص بعداً أكثر حدة هو الإقرار بأن هذه الاختلالات لم تعد ظرفية، بل أصبحت بنيوية، تعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” وبين واقع معيش يزداد قسوة. هنا، لا تكتفي الفيدرالية بوصف الأزمة، بل تلمّح إلى فقدان الثقة التدريجي بين الدولة والمجتمع، وهو معطى أخطر من الأرقام الاقتصادية نفسها.

غير أن ما يمنح هذا الخطاب زخماً إضافياً هو ربطه المباشر بالسياق الجيوسياسي، خاصة تداعيات ما تصفه بـالحرب في الخليج، التي انعكست على أسعار الطاقة عالمياً. فحين يتجاوز سعر النفط سقف 100 دولار للبرميل، بينما بُنيت فرضيات الميزانية على أقل من 70 دولاراً، فإن الفارق لا يُقرأ فقط كمؤشر اقتصادي، بل كـ“ضريبة مستوردة” يدفعها المواطن في شكل غلاء متسلسل يطال المحروقات والنقل والمواد الغذائية. بهذا المعنى، تتحول السياسة الطاقية إلى قلب الأزمة الاجتماعية، وتصبح خيارات الحكومة في هذا المجال محط مساءلة مباشرة.

وفي مواجهة هذه التطورات، تنتقد الفيدرالية ما تعتبره اختزالاً حكومياً للأزمة في آليات المراقبة، دون الانتقال إلى إجراءات حمائية ملموسة. فالدعم الجزئي لبعض القطاعات، مثل النقل، يُنظر إليه كخطوة محتشمة لا ترقى إلى حجم الصدمة. لذلك، تطرح الفيدرالية حزمة إجراءات عاجلة، في مقدمتها تسقيف أسعار المحروقات، وخفض الضرائب على المواد الأساسية، إلى جانب تعبئة موارد استثنائية لدعم القدرة الشرائية. وهي مقترحات تحمل في طياتها رؤية لدور الدولة كفاعل مباشر في السوق، وليس مجرد مراقب.

لكن الأزمة، كما يرسمها الخطاب السياسي، لا تتوقف عند الاقتصاد. فالأحداث المناخية الأخيرة، خصوصاً الفيضانات التي ضربت مناطق شمالية، كشفت – وفق الفيدرالية – عن أعطاب عميقة في نموذج الحكامة. من شفشاون إلى الحسيمة، مروراً بـتاونات ووزان، يتكرر نفس السؤال: أين ينتهي خطاب العدالة المجالية وأين يبدأ الواقع؟ بطء التعويضات، ضعف التواصل، وتعثر الدعم في بعض الأقاليم، كلها مؤشرات – في نظر الحزب – على أن الاختلال ليس في التدبير الظرفي فقط، بل في النموذج نفسه.

وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي، تعود الفيدرالية لتربط بين تصاعد الاحتجاجات، خاصة في صفوف ما يُعرف بـجيل Z، وبين عمق الأزمة. فهذه التحركات، بحسب قراءتها، ليست مجرد تعبيرات مطلبية، بل إشارات على تحوّل في علاقة الشباب بالسياسة وبالمؤسسات. غير أن الرد، كما تصفه، اتخذ طابعاً أمنياً، ما يعمق الفجوة بدل ردمها، ويطرح سؤال الحريات العامة في صلب النقاش.

ولا يفصل الحزب بين هذا المناخ وبين ما يسميه “تراجعاً تشريعياً”، مشيراً إلى قوانين يعتبرها مقيّدة، سواء في ما يتعلق بالإضراب أو الصحافة أو المسطرة الجنائية. في هذا الإطار، يصبح النقاش القانوني جزءاً من معركة أوسع حول طبيعة النظام السياسي وحدود الإصلاح الممكن داخله. فبالنسبة للفيدرالية، لا يمكن معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية دون مدخل سياسي ديمقراطي يعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس جديدة.

ومن هنا، يبرز البعد الاستراتيجي في خطاب الحزب، حيث لا يكتفي بالتشخيص أو الاحتجاج، بل يطرح نفسه كجزء من بديل محتمل. مع اقتراب استحقاقات 2026، يرى أن المعركة ليست انتخابية بالمعنى الضيق، بل سياسية بامتياز، تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات داخل المشهد الحزبي. وفي هذا السياق، تكتسب مفاوضاته مع الحزب الاشتراكي الموحد دلالة تتجاوز التنسيق التقني، لتلامس إمكانية بناء قطب يساري موحد قادر على كسر الثنائية التقليدية التي تطبع الحياة السياسية.

في المحصلة، لا يقدم خطاب فيدرالية اليسار الديمقراطي مجرد بيان سياسي ظرفي، بل محاولة لإعادة تأطير النقاش العمومي حول طبيعة الأزمة التي يعيشها المغرب: هل نحن أمام اختلالات قطاعية قابلة للإصلاح التدريجي، أم أمام أزمة نموذج تستدعي مراجعة عميقة؟ بين هذين السؤالين، يتحدد ليس فقط موقع المعارضة، بل أيضاً أفق المرحلة بأكملها.