“المغرب والشرعية القانونية: التتويج السينغالي معلق وسط رقابة التحكيم الدولي”

0
171

النهائي الأخير لكأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب تجاوز كونه مجرد مواجهة على الملعب، ليصبح مسرحًا لتشابك القانون والرياضة والتنظيم. الأحداث أثارت أسئلة حاسمة حول مدى احترام الشرعية الرياضية وصلاحيات المؤسسات، مظهرة مسؤولية الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (‘الكاف’) والاتحاد الدولي (‘فيفا’) في الحفاظ على نزاهة البطولة وضمان سلامة المنافسة. مع التتويج الميداني للسنغال، بقيت التساؤلات القانونية معلقة، ما حول اللقب إلى قضية رمزية تختبر قدرة كرة القدم الإفريقية على فرض النظام والانضباط في مواجهة الانتهاكات والممارسات المشوبة بالتحريض والفوضى.

بينما أُعلن ميدانيًا فوز منتخب السنغال، إلا أن علامات الاستفهام القانونية حول هذا الانتصار لم تُحسم بعد، تاركة التتويج معلقًا بانتظار قرار قد يعيد رسم سجل البطولة أو يرسخ سابقة خطيرة. في المقابل، سجل المغرب انتصارًا آخر، ليس على أرض الملعب، بل في مستوى الانضباط والالتزام، حيث أظهرت السلطات، الجماهير، واللاعبون قدرة عالية على ضبط النفس، وهو ما عزز مكانة المملكة دوليًا وإقليميًا، وجعل الإنجاز المغربي يتجاوز البنية التحتية الرياضية إلى الاستثمار في الأخلاق والروح الرياضية، خصوصًا في مواجهة تصرفات مدرب المنتخب السينغالي وشغب جماهيره.

الحدث أعاد فتح ملف العنف والتحريض، ليس من أجل انتزاع اللقب، بل لضمان حماية الرياضة من سيناريوهات مماثلة في المستقبل، إذ أصبح الردع ضرورة قانونية وأخلاقية، تعكس أهمية تطبيق اللوائح التنظيمية وحماية الروح الرياضية كجسر للتقارب بين الشعوب.

اختبار حقيقي لمنظومة الحوكمة الإفريقية

لقد شكل النهائي اختبارًا صريحًا لمنظومة الحوكمة داخل كرة القدم الإفريقية، ولقدرة ‘الكاف’ و’فيفا’ على فرض القانون دون الانصياع للضغوط السياسية أو الاعتبارات الرياضية. اللافت أن المباراة انتهت دون حسم رسمي على مستوى الهيئات القارية، في سابقة نادرة، حيث امتنعت كل من ‘الكاف’ و’فيفا’ عن إصدار بيانات تهنئة رسمية، في انتظار مداولات لجنة الانضباط، ما يعكس وجود شبه خروقات قد ترتقي إلى مخالفة صريحة للوائح البطولة.

الانسحاب والانسحاب القسري: المادة 82 في قلب الجدل

من الناحية القانونية، تدور الإشكالية حول المادة 82 من لائحة كأس أمم إفريقيا، التي تنص على أن انسحاب الفريق من أرض الملعب، أو رفض مواصلة اللعب، أو مغادرته دون إذن الحكم قبل نهاية الوقت القانوني، يُعد خرقًا يستوجب عقوبات قد تصل إلى اعتبار الفريق مهزومًا بنتيجة ثلاثة أهداف دون مقابل.

وفي النهائي، تشير التقارير الرسمية إلى أن لاعبي السنغال غادروا أرض الملعب لفترة تجاوزت 17 دقيقة، ما أشاع الفوضى دون إعلان الحكم نهاية المباراة وفق اللوائح. لا يمكن فصل هذا عن سلوك الطاقم الفني، وبالأخص المدرب بابي ثياو، الذي وُجّهت له اتهامات بالتحريض المباشر وغير المباشر، سواء عبر التشكيك المسبق في نزاهة التحكيم أو انسحابه الاحتجاجي، وهو ما ساهم في تأجيج الأجواء داخل الملعب وخارجه.

قانونيًا، يتحمل المدرب مسؤولية سلوك لاعبيه وأفراد الطاقم، كما يُحمّل الاتحاد الوطني تبعات تصرفات جماهيره، لا سيما اقتحام أرض الملعب وتهديد السلامة العامة، وهو ما حصل فعليًا في لحظة بالغة الحساسية، ويُعدّ القانون الرياضي الدولي التحريض على العنف ظرفًا مشددًا عند تقدير العقوبات، خصوصًا في المباريات النهائية.

النموذج المغربي: ضبط، حكمة، والتزام بالقانون

في المقابل، جاء التعامل المغربي نموذجًا للرصانة وضبط النفس. فقد اختارت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تفعيل اللوائح القانونية بدقة، مستندة إلى الوقائع الموثقة والتقارير الرسمية، دون الانجرار إلى خطاب تصعيدي، مع احترام كامل لاستقلالية الهيئات التأديبية.

على المستوى الأمني والتنظيمي، تعاملت السلطات المغربية مع الفوضى بحكمة، ضامنة سلامة اللاعبين والجماهير، ومجنبة الملعب سيناريوهات كارثية كانت ممكنة. هذا التدخل المتوازن، الذي جمع بين الصرامة والهدوء، نال إشادة واسعة من متابعين ومؤسسات إقليمية ودولية، مؤكدة قدرة المغرب على إدارة التظاهرات الكبرى وفق المعايير الدولية.

الجماهير المغربية أظهرت وعيًا لافتًا، إذ لم تنجر إلى الاستفزاز ولم تُقابل الفوضى بفوضى مضادة، وهو عنصر غالبًا ما يُغفل في التحليل القانوني رغم أهميته. فالقانون الرياضي لا ينظر فقط إلى الأفعال، بل إلى السياق العام، وإلى قدرة الدولة المنظمة على ضمان بيئة تنافسية آمنة، وهو ما تحقق في هذا النهائي.

الفيفا والكاف تحت المجهر

دخول ‘فيفا’ على خط المتابعة يعكس حساسية الملف، خاصة في ظل تاريخ ‘الكاف’ مع قضايا الفساد وسوء الحوكمة، ووجود رئيس لجنة الانضباط من نفس جنسية المنتخب المعني بالتحقيق يفرض رقابة دولية غير معلنة لضمان النزاهة وتفادي تضارب المصالح. القرار المنتظر لا يتعلق فقط بمصير لقب قاري، بل بمصداقية مؤسسة بأكملها، وقدرتها على استعادة ثقة الرأي العام الرياضي.

استحضار السوابق التاريخية للمنتخب السنغالي في حالات مشابهة يضع الواقعة الحالية في إطار نمطي قانونيًا، إذ يُعدّ مبدأ “العود” عنصرًا معتبرًا في تقدير العقوبات.

في النهاية، اختار المغرب الرهان على الشرعية القانونية وعلى مؤسسات التحكيم القاري والدولي، بينما يبقى تتويج السنغال معلقًا بقرار قد يعيد رسم سجل البطولة أو يكرس سابقة خطيرة، متجاوزًا إطار مباراة نهائية ليصبح اختبارًا حقيقيًا لقيم الرياضة، ولمدى قدرة كرة القدم الإفريقية على الانتصار للسيادة القانونية والروح الرياضية دون ازدواجية أو حسابات ضيقة.