في ظاهر حديثه، بدا وليد الركراكي وفياً لقاموس المدربين التقليدي: مباراة صعبة، خصم قوي، تركيز ذهني، تفاصيل صغيرة. لكن ما بين السطور، كان خطابه أكثر تركيباً، وأشد ارتباطاً بسياق كروي مغربي طويل، يثقل هذه المباراة بما هو أبعد من تسعين دقيقة.
حين يصف الركراكي مواجهة المغرب ونيجيريا بـ“نهائي قبل الأوان”، فهو لا يبالغ لغوياً بقدر ما يُعيد ترتيب سلم الرهانات. الرسالة الضمنية هنا أن عبور نصف النهائي ليس مجرد محطة تقنية في مسار بطولة، بل اختبار نضج جماعي لجيل كامل، ومدى قدرته على كسر عقدة تاريخية اسمها: “التعثر عند العتبات”.
إشارته إلى أن المنتخب المغربي “لم يبلغ نصف نهائي كأس إفريقيا منذ مدة طويلة” ليست معلومة إحصائية عابرة، بل تذكير واعٍ بثقل الذاكرة. الركراكي يُدرك أن الجمهور المغربي لا يُقيم هذه المباراة بمعايير اللحظة فقط، بل يقرأها من زاوية تراكمات الإخفاق والانتظار، ومن هنا تأتي محاولة نزع الضغط عبر تحويله إلى حافز.
وعندما يتحدث عن قوة نيجيريا وتنظيمها ودكة احتياطها، فإنه لا يكتفي بتوصيف الخصم، بل يُعرّف طبيعة التحدي: منتخب يملك حلولاً متعددة، وقدرة على تغيير إيقاع المباراة في أي لحظة. لذلك شدد على العامل الذهني، لا باعتباره شعاراً تحفيزياً، بل كشرط تكتيكي: عدم منح الخصم “فرصة لالتقاط الأنفاس” يعني التحكم في الزمن النفسي للمباراة، قبل التحكم في الكرة.
اللافت في خطاب الركراكي هو ربطه بين الأداء الحالي والمسار التصاعدي للمنتخب. حديثه عن “التطور التدريجي” وتجهيز أسماء بعينها، مثل حكيمي وبراهيم دياز وحمزة إيغمان، يكشف عن تصور طويل النفس للبطولة، لا يقوم على الانفجار المبكر، بل على إدارة الجهد والجاهزية. في العمق، هو دفاع غير مباشر عن اختياراته السابقة، ورسالة مفادها أن ما بدا تردداً في البداية كان في الواقع استثماراً في الأدوار الحاسمة.
أما استحضاره لتجاوز نيجيريا خيبة الإقصاء من كأس العالم، فيحمل بعداً نفسياً مزدوجاً: تحذير من خصم يلعب بدافع “رد الاعتبار”، وتلميح إلى أن هذه البطولة بالنسبة لنيجيريا ليست مشاركة عادية، بل فرصة لإعادة تثبيت مكانتها القارية.
وعندما يصف المربع الذهبي بأنه “الأقوى” في تاريخ النسخة، مع حضور لاعبين حائزين على الكرة الذهبية الإفريقية، فهو لا يُجمّل المشهد فقط، بل يضع المنتخب المغربي داخل سياق نخبة قارية. هنا يتحول الضغط إلى شرف، والمواجهة إلى عرض لصورة كرة القدم الإفريقية في أفضل حالاتها.
تصريحات منير المحمدي جاءت مكملة لهذا البناء الخطابي: نبرة هادئة، وعي بقيمة الإنجاز، وتركيز على الجاهزية الذهنية والبدنية والتكتيكية. حديثه عن “إنجاز طال انتظاره” يعكس ما يشعر به اللاعبون أنفسهم: أنهم لا يدافعون فقط عن فرصة لقب، بل عن لحظة مصالحة مع تاريخ قريب كان قاسياً في أحايين كثيرة.
في المحصلة، لا يقدم خطاب الركراكي مجرد قراءة تقنية لمباراة نصف نهائي، بل يؤطرها كاختبار هوية: هل صار المنتخب المغربي قادراً على التعامل مع المباريات الكبيرة بوصفها فرصاً لا أعباء؟ وهل تحوّل الحلم القاري من عبء الذاكرة إلى مشروع قابل للتحقق؟
الجواب لن يكون في الكلمات، بل في الطريقة التي سيدخل بها “الأسود” إلى الملعب، وهم يدركون أن هذه المباراة، وإن سُميت نصف نهائي، تُلعب بعقلية النهائي… وربما بما هو أكثر.