المغرب يغرق في موجة محروقات متصاعدة… المواطن يدفع الثمن وحده رغم المخزون والضغوط!

0
49

تحت صمت الأرقام الذي يخفي ضجيجًا اجتماعيًا مكتومًا، تعود أسعار المحروقات في المغرب إلى الارتفاع، لا كحادث معزول، بل كفصل جديد من قصة طويلة تتقاطع فيها السوق العالمية مع حسابات الداخل، ويتحوّل فيها المواطن البسيط إلى الحلقة الأضعف في معادلة معقّدة لا تُرى كل تفاصيلها.

الزيادة الجديدة، التي بلغت 1.70 درهم للغازوال و1.57 درهم للبنزين، ليست مجرد تعديل تقني في لوحة الأسعار، بل استمرار لمنحى تصاعدي سريع خلال أسبوعين فقط، حيث تجاوز مجموع الزيادات 3.70 دراهم للغازوال و3.01 دراهم للبنزين. هذا التسارع يطرح سؤالًا مركزيًا: لماذا تبدو الأسعار في ارتفاع دائم، حتى في ظل تعدد الأسئلة البرلمانية والضغط الحقوقي والإعلامي؟

في الواجهة، يبدو التفسير جاهزًا: توتر الأسواق العالمية، الحرب في الشرق الأوسط، واحتمال اضطراب الإمدادات النفطية. فكلما اهتزت سلاسل التوريد العالمية، انعكس ذلك فورًا على الأسعار المحلية. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته، لا يُقنع بالكامل، خاصة حين يُستحضر عنصر الزمن؛ إذ إن الزيادات في المغرب غالبًا ما تكون سريعة ومباشرة، بينما يظل الانخفاض بطيئًا ومترددًا، ما يفتح الباب أمام فرضية “المرونة الانتقائية” في التسعير.

خلف هذا المشهد الظاهر، تبرز بنية سوق محرّرة منذ سنوات، حيث لم تعد الدولة تتدخل بشكل مباشر في تحديد الأسعار، تاركة المجال لفاعلين كبار يتحكمون في الاستيراد والتخزين والتوزيع. هؤلاء الفاعلون، الذين يُطلق عليهم في الخطاب العام “لوبي المحروقات”، لا يظهرون في الصورة اليومية للمستهلك، لكن أثرهم حاضر في كل درهم يُضاف إلى سعر اللتر. فمحطات الوقود نفسها، كما تؤكد مصادر مهنية، ليست سوى حلقة تنفيذية تتلقى الأسعار من الشركات الموزعة دون قدرة على تعديلها.

المفارقة الأكثر إثارة تكمن في مسألة المخزون. فالمعطيات الرسمية تشير إلى توفر احتياطي يتراوح بين 47 و52 يومًا لبعض المواد، وهو ما يُفترض أن يخفف من تأثير الصدمات الخارجية على المدى القصير. لكن استمرار الزيادات رغم هذا المخزون يطرح تساؤلًا عميقًا: هل يُستخدم المخزون كآلية لحماية السوق، أم كعنصر ضمن منظومة تسعير مرتبطة بتوقعات المستقبل أكثر من واقع اللحظة؟

في هذا السياق، تتحول الأسئلة البرلمانية، رغم أهميتها، إلى مجرد صدى داخل مؤسسة تشريعية لا تمتلك أدوات مباشرة لتغيير قواعد اللعبة. أما الجمعيات والهيئات الحقوقية، فرغم تحذيراتها المتكررة، تصطدم بواقع اقتصادي تُحكمه توازنات معقدة بين حرية السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

الأخطر من ذلك، أن هذه الزيادات لا تبقى محصورة في محطات الوقود، بل تتسرب تدريجيًا إلى كل مفاصل الحياة اليومية: النقل، أسعار المواد الغذائية، الخدمات… لتتحول إلى موجة تضخمية صامتة تضرب القدرة الشرائية دون إعلان رسمي. وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يتحمل الكلفة الحقيقية لهذه الزيادات؟ الدولة؟ الشركات؟ أم المواطن الذي لا يملك سوى التكيّف؟

الحدث، في عمقه، ليس مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تعبير عن اختلال في توازن العلاقة بين السوق والمجتمع. فحين تتحول الطاقة، وهي عصب الاقتصاد، إلى مجال شبه مغلق أمام المنافسة الحقيقية والرقابة الفعالة، يصبح الحديث عن “السوق الحرة” أقرب إلى شعار منه إلى واقع.

وبينما تتجه الأنظار إلى الخارج بحثًا عن تفسير، قد يكون التحدي الحقيقي في الداخل: كيف يمكن بناء نموذج طاقي يوازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية المستهلك؟ وكيف يمكن تحويل وفرة المعطيات إلى شفافية حقيقية تُقنع المواطن، لا مجرد أرقام تُعلن؟

في النهاية، لا تبدو هذه الزيادة سوى إشارة جديدة إلى أن ملف المحروقات في المغرب لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح سياسيًا واجتماعيًا بامتياز… قصة مفتوحة، بطلها مواطن ينتظر تفسيرًا لا يأتي، أو عدالة لا تُؤجَّل.