المواطن يدفع مرتين في المحروقات: ضرائبه للدعم وأسعار الوقود بلا تخفيض

0
85

في لحظة تتصاعد فيها كلفة المعيشة وتتآكل فيها القدرة الشرائية، أعادت البرلمانية فاطمة الثامني طرح سؤال مركزي حول جدوى سياسات الدعم العمومي، ليس من زاوية أرقام الميزانية فقط، بل من زاوية أثرها الفعلي على حياة المواطنين. فالتدوينة التي نشرتها لا تقف عند حدود النقد السياسي التقليدي، بل تكشف ما يمكن تسميته بـ“المعادلة المزدوجة” التي يعيشها المواطن: يمول الدعم من ضرائبه، ثم يشتري نتائجه بأسعار مرتفعة في السوق، وكأن العملية برمتها تدور في حلقة مغلقة لا تعود عليه بالنفع المباشر.

هذا الطرح يسلّط الضوء على مفارقة بنيوية في السياسات العمومية، حيث تتحول آليات الدعم—المفترض أن تكون أداة لتقليص الفوارق الاجتماعية—إلى قنوات غير مباشرة لإعادة توزيع الثروة لصالح فاعلين أقوى في السوق. فبدل أن ينعكس ضخ المليارات على خفض الأسعار أو تحسين القدرة الشرائية، تشير القراءة النقدية إلى أن جزءاً مهماً من هذه الموارد يتسرب عبر سلاسل الوساطة والمضاربة، ليصل في النهاية إلى فئات محدودة تستفيد من اختلالات السوق أكثر مما تستفيد من تدخل الدولة.

من زاوية أعمق، لا يتعلق الأمر فقط بفعالية الدعم، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي يؤطره. فغياب آليات صارمة للرقابة، وضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، وغياب الشفافية في تحديد هوامش الربح، كلها عوامل تجعل من السوق فضاءً مفتوحاً لإعادة إنتاج التفاوتات. هنا، يصبح الدعم—بدل أن يكون أداة تصحيح—آلية لتأجيل الأزمات أو حتى لتبريرها، في ظل استمرار نفس البنية التي تولد الغلاء.

وتبرز الإشكالية بشكل أوضح حين نربطها بالسياق الاجتماعي، حيث لم يعد المواطن يقيس السياسات العمومية بوعودها، بل بنتائجها الملموسة في سلة استهلاكه اليومية. فاستمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية، رغم تدخلات الدعم، يعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويطرح تساؤلات حقيقية حول من يستفيد فعلاً من هذه السياسات: هل هي الفئات الهشة التي صُمم الدعم من أجلها، أم الفاعلون القادرون على استغلال ثغرات السوق؟

في العمق، تعيد هذه النقاشات طرح الحاجة إلى إعادة هندسة منظومة الدعم برمتها، ليس فقط عبر توجيهها بشكل أدق نحو المستحقين، بل أيضاً عبر مرافقتها بإصلاحات هيكلية تشمل ضبط الأسواق، محاربة الاحتكار، وتعزيز الشفافية. لأن التحدي لم يعد في حجم الأموال المرصودة، بل في قدرتها على تحقيق أثر اجتماعي مباشر وعادل.

هكذا، تتحول تدوينة سياسية إلى مدخل لتحليل أوسع: هل نحن أمام أزمة أدوات، أم أزمة نموذج؟ وهل يكفي ضخ الموارد لمعالجة الغلاء، أم أن الأمر يتطلب إعادة نظر جذرية في طريقة اشتغال السوق وعلاقة الدولة به؟ هذه الأسئلة، أكثر من أي وقت مضى، أصبحت في صلب النقاش العمومي، لأنها تمس جوهر العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.