النجاح الرياضي أم البناء الاجتماعي؟ قراءة في خسارة النهائي

0
151

بعد نهائي كأس إفريقيا، تجاوز النقاش حدود النتيجة الرياضية، ليصل إلى عمق السؤال الاجتماعي والسياسي: ما قيمة الاستثمارات الضخمة في كرة القدم إذا لم تتوازَ مع تحسين ملموس في شروط حياة المواطنين؟

خلال السنوات الأخيرة، عرف المغرب ارتفاعًا في المداخيل الضريبية، سواء عبر توسيع الوعاء الجبائي، أو من خلال الضرائب غير المباشرة التي تمس الحياة اليومية للمواطن. هذه الزيادات انعكست بشكل ملموس على القدرة الشرائية للأسر، في سياق اجتماعي يشهد ارتفاعًا في تكاليف المعيشة، وتراجع جودة الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة.

وفي الوقت نفسه، تواصل كرة القدم استقطاب استثمارات هائلة: ملاعب حديثة، تجهيزات لوجستيكية، وبنى تحتية واسعة لإظهار قدرة البلاد على تنظيم البطولات الدولية. لكن الهزيمة الأخيرة أمام السنغال، على أرضنا، تذكّر بأن النجاح الرياضي لا يُشترى بالمال وحده، وأن الصورة اللامعة لا تعوّض غياب التخطيط المستدام.

الاستثمار في الإنسان قبل الحجر

الدول التي صنعت مجدها الكروي فعلت ذلك بعد استثمار طويل في الإنسان: المدرسة، الصحة، العدالة الاجتماعية، التكوين الرياضي، والقيادة التقنية. الاستثمار في المباني وحده، مهما كانت الفخامة، لا يُنتج تتويجًا ولا يخلق قاعدة صلبة لمستقبل الرياضة.

هنا يبرز سؤال أولويات لا يمكن تجاهله: هل يمكن تبرير التركيز على استعراض البنى التحتية والبطولات الكبرى، بينما ما تزال قطاعات حيوية تعاني من اختلالات بنيوية مزمنة؟

عندما يصبح الاستحواذ وهمًا: كيف ربحت السنغال المعركة التكتيكية وخسر المغرب لحظة الاختراق؟

الهزيمة أمام السنغال ليست فشل لاعب أو مدرب فقط، بل تنبيه واضح لمحدودية النهج القائم: التركيز على الصورة والواجهة على حساب البناء الاستراتيجي للرياضة والمجتمع معًا.

أزمة الثقة… أكثر من مجرد مباراة

المواطن الذي يرى ضريبة إضافية تضغط على ميزانيته، وتراجعًا في الخدمات الأساسية، ويستقبل في المقابل استعراضات مالية ضخمة في الرياضة، يشعر بتناقض ملموس بين الوعود والسياسات الواقعية. هذه الثقة المفقودة ليست مجرد استياء من نتيجة مباراة، بل انعكاس لرهانات طويلة لم تُقابل بتحسين ملموس، أو بإدارة واضحة للأولويات.

ولذلك، النقاش حول الكرة اليوم لا يتعلق بالمنتخب أو اللاعبين فقط، بل بمنظومة القرار: كيف تُصنع السياسات الرياضية؟ وكيف تُوازَن مع مصالح المواطن العادي؟ وكيف تُوظف الأموال العامة بحيث تخلق قيمة مستدامة وليس مجرد واجهة مؤقتة؟

الخلاصة

خسارة النهائي أمام السنغال تكشف ما هو أكثر من كرة: تكشف الحاجة إلى مراجعة جدية للخيارات العمومية، وتوازن بين الاستثمار في الرياضة والبناء الاجتماعي الحقيقي.

الكرة، في نهاية المطاف، ليست مجرد ملعب للمنافسة، بل مرآة تعكس مدى جدية الدولة في إدارة المال العام، وترتيب الأولويات، وبناء الثقة مع مواطنيها.