الوريث المجهول.. كيف أصبح محمد شوكي الرجل الأقوى في حزب أخنوش؟

0
178
صورة موقع هيسبريس

لم يكن اسم محمد شوكي ضمن الأسماء المتداولة في بورصة الخلافة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، ولم يكن حضوره السياسي، إلى حدود وقت قريب، كافيًا ليضعه في صدارة المشهد. ومع ذلك، فجأة وبلا مقدمات طويلة، يتحول الرجل إلى المرشح الوحيد لقيادة الحزب، في لحظة توحي، وفق قراءة عدد من المراقبين، بأن ما يجري في الكواليس أكبر بكثير مما يظهر في البيانات الرسمية.

مجلة جون أفريك الفرنسية، في بورتريه دال خصصته لشوكي، لم تكتف بتقديم سيرته الذاتية، بل طرحت سؤالًا سياسيًا أعمق: ما الرسالة التي يريد حزب الأحرار إيصالها حين يختار شخصية من هذا النوع، بهذا المسار المتعرج، وبهذه الشبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية، لقيادة حزب يقود الحكومة ويحتكر مفاتيح القرار التنفيذي؟

في الثامن والعشرين من يناير، صادق المكتب السياسي للحزب على ترشيح محمد شوكي كمرشح وحيد لخلافة عزيز أخنوش، استعدادًا لمؤتمر استثنائي بمدينة الجديدة. قرار بدا في ظاهره سلسًا، لكنه في العمق، حسب مصادر إعلامية متطابقة، نتاج ترتيبات داخلية معقدة، حيث جرى استدعاء منسقي الجهات على عجل إلى الرباط لضمان الاصطفاف، ما دفع أسماء مثل محمد أوجار إلى الانسحاب، في مشهد يوحي بأن المسألة حُسمت قبل أن تُطرح للنقاش الحقيقي داخل الحزب.

شوكي، البالغ من العمر 49 سنة، يحمل مسارًا أكاديميًا دوليًا: تكوين في جامعة الأخوين ثم تجربة بالولايات المتحدة، قبل أن يستقر في عالم المال والأعمال، حيث يترأس شركة AD Capital لإدارة الأصول. غير أن هذه السيرة اللامعة تخفي وراءها، وفق قراءات إعلامية، طبقات أخرى أقل بريقًا، وأكثر التصاقًا بمنطق النفوذ العائلي والشبكات غير المرئية.

فالرجل هو ابن أحمد شوكي، برلماني سابق عن حزب الأصالة والمعاصرة في إقليم بولمان، وفاعل محلي يملك مصالح في العقار والبناء والفلاحة، ونسج عبر السنوات شبكة علاقات مكّنته من لعب دور الوسيط السياسي والاقتصادي في الإقليم. هذه الخلفية تجعل دخول محمد شوكي إلى السياسة أقرب إلى منطق الامتداد العائلي منه إلى مسار سياسي تقليدي قائم على التدرج الحزبي.

في بداياته، حاول الرجل بناء مساره داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وكان من مؤسسي أول شبيبة حزبية فيه. غير أن طموحه اصطدم مبكرًا بصراعات داخلية انتهت بشجار معروف مع إلياس العمري، الأمين العام آنذاك، في واقعة وثقتها شهادات إعلامية متعددة، وانتهت بطرده من الحزب، في مشهد يلخص هشاشة العلاقة بين الطموح الشخصي والبنية الحزبية.

رغم هذا السقوط، لم يغادر شوكي السياسة فعليًا. فقد ظل منتخبًا في مجلس جهة فاس-مكناس بفضل شبكة والده، ثم أعاد بناء سيرته عبر تجربة دبي، حيث عمل مع مجموعات استثمارية إماراتية، وراكم علاقات في مجال البنوك وأسواق المال، خاصة داخل بنك أبوظبي الإسلامي – مصر. وهناك، وفق معطيات منشورة، بدأ يتحول من فاعل محلي إلى رجل أعمال إقليمي، وإن ظل اسمه مرتبطًا بنزاعات شراكة ذات طابع تجاري ما تزال مطروحة أمام القضاء.

عودة شوكي إلى المغرب لم تكن عبر بوابة الفكر السياسي أو العمل الجمعوي، بل عبر حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه، الذي كان يبحث عن وجوه شابة ذات كفاءة مالية وعلاقات دولية. في 2019، يقترب من الحزب، وفي 2020 يعيّنه أخنوش في مجلس إدارة أفريقيا غاز، ثم يستعيد في 2021 دائرة والده البرلمانية بدعم تنظيمي ومالي معلن من الحزب.

داخل البرلمان، ظل شوكي لسنوات في الظل، رغم رئاسته الاستراتيجية للجنة المالية، إلى أن جاءت لحظة التحول بعد إقالة محمد غيات من رئاسة الفريق النيابي. فجأة، يتحول شوكي إلى مدافع قوي عن أخنوش داخل المؤسسة التشريعية، ورئيس للفريق البرلماني للحزب، في مسار يقرأه مراقبون باعتباره ترقية سريعة داخل هرم السلطة أكثر مما هو صعود سياسي تقليدي ناتج عن تراكم نضالي.

اللافت أن هذا الصعود تزامن مع توسع استثماراته في القطاع الفلاحي عبر AD Capital Farms، وهو قطاع مدعوم بقوة من الدولة، ما يطرح، وفق تحليلات اقتصادية مستقلة، أسئلة مشروعة حول حدود التداخل بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية، دون وجود معطيات رسمية تثبت أي خرق قانوني مباشر.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع الملف القضائي المفتوح ضده، بعد شكاية رشيد الفايق، البرلماني السابق المحكوم في قضايا فساد، الذي اتهمه بطلب مبلغ مالي مقابل التدخل في تزكيات انتخابية. ورغم نفي شوكي القاطع لأي علاقة بالوقائع المزعومة، فإن الملف ما يزال قيد التحقيق القضائي، مع جلسة مقررة خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يجعل القضية، من منظور إعلامي، عنصرًا ضاغطًا على صورته العمومية.

هنا بالضبط يصبح سؤال جون أفريك مشروعًا: لماذا محمد شوكي بالذات؟ ولماذا الآن؟ ولماذا مرشح وحيد دون منافسة حقيقية؟

المعطيات المتداولة داخل كواليس الحزب تشير إلى أن مصطفى بيتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، كان يُعتبر الوريث الطبيعي داخل الحزب، غير أن توازنات داخلية، خاصة في العلاقة بين أخنوش ورشيد طالبي العلمي، أدت إلى استبعاده، واختيار شوكي كحل توافقي يرضي مراكز القرار، حتى وإن لم يكن له وزن سياسي كبير داخل القواعد الحزبية التقليدية.

بذلك، لا يبدو محمد شوكي، في قراءة تحليلية باردة، تجسيدًا لقيادة حزبية جديدة بقدر ما يبدو نتاجًا لمنطق “التعيين المقنّع”، حيث تُصنع الزعامات في غرف مغلقة، وتُقدَّم للرأي العام في قالب انتخابي شكلي. هو وريث غير متوقع، لا لأنه مفاجئ فقط، بل لأنه يعكس كيف تتحول الأحزاب من فضاءات سياسية إلى أدوات تدبير للسلطة، تُدار بمنطق الشبكات والعلاقات أكثر مما تُدار بمنطق البرامج والرؤى.

وفي هذا المعنى، فإن صعود شوكي لا يحكي فقط قصة رجل، بل يفضح، وفق منطق التحليل السياسي، قصة حزب… وقصة مرحلة كاملة من السياسة المغربية.