انتصار يتجاوز النتيجة: الجيش الملكي يفرض منطقه ويُسقط بيراميدز في معقله

0
98

في قلب القاهرة، حيث تتقاطع رهانات التاريخ مع ضغوط الحاضر، لم تكن مواجهة الجيش الملكي وبيراميدز مجرد مباراة إياب في ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا 2026، بل اختباراً مركباً لمدى نضج المشروع الكروي المغربي وقدرته على إدارة لحظات الحسم خارج الديار. من هنا، تحوّل الحدث من نتيجة رقمية إلى سردية أوسع: فريق مغربي يكتب تأهله بوعي تكتيكي، لا فقط باندفاع هجومي.

منذ صافرة البداية، بدا أن الفريق العسكري دخل المواجهة وهو يقرأ تفاصيلها ببرودة أعصاب. نتيجة الذهاب في الرباط (1-1) لم تكن مجرد معطى حسابي، بل إطار ذهني فرض على اللاعبين توازناً دقيقاً بين الجرأة والحذر. هذا التوازن تُرجم سريعاً بهدف مبكر حمل توقيع رضا سليم، لم يكن فقط ضربة فنية، بل رسالة نفسية قلبت موازين الضغط، ونقلت العبء كاملاً إلى الفريق المصري الذي وجد نفسه مطالباً بالركض خلف المباراة.

لكن ما أعطى لهذا التأهل عمقه الحقيقي لم يكن الهدف الأول، بل القدرة على إدارة الزمن الكروي. فمع بداية الشوط الثاني، جاء الهدف الثاني عبر ربيع حريمات ليؤكد أن الفريق لا يلعب برد الفعل، بل بمنطق السيطرة المرحلية: امتصاص، ثم ضرب، ثم إعادة تموضع. هنا تحديداً برزت بصمة المدرب ألكسندر سانتوس، الذي نجح في تحويل المباراة إلى سيناريو تكتيكي مغلق أمام مفاتيح لعب بيراميدز.

هدف تقليص الفارق الذي وقعه فيستون ماييلي لم يكن كافياً لإعادة التوازن، لأن الجيش الملكي كان قد نقل المباراة إلى مستوى آخر: مستوى الصلابة الذهنية والانضباط الدفاعي. تراجع محسوب، تضييق مساحات، رقابة لصيقة على عناصر مثل إبراهيم عادل، كلها تفاصيل تعكس فريقاً لا يدافع فقط عن نتيجة، بل عن مشروع تأهل.

في المحصلة، لم يكن الانتصار (2-1) سوى عنوان لنجاح أعمق: التأهل بمجموع (3-2) يضع الجيش الملكي في نصف النهائي، لكنه يفتح أيضاً سؤالاً أكبر حول التحول الذي تعرفه الأندية المغربية قارياً. فالوصول إلى هذا الدور لم يعد حدثاً استثنائياً، بل أصبح امتداداً لمنحى تصاعدي يعكس استثماراً في البنية التقنية والذهنية.

الأفق الآن يتجه نحو نصف النهائي، حيث ينتظر الفريق الفائز من مواجهة نهضة بركان والهلال السوداني. وهنا تتخذ القصة بعداً وطنياً مضاعفاً: احتمال “ديربي مغربي” في هذا الدور لا يعني فقط ضمان حضور مغربي في النهائي، بل يكرّس تحوّل المغرب إلى مركز ثقل كروي داخل القارة.

بهذا المعنى، يصبح تأهل الجيش الملكي أكثر من إنجاز رياضي؛ إنه مؤشر على إعادة تشكيل موازين القوة في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، حيث لم تعد الأندية المغربية ضيوفاً على الأدوار المتقدمة، بل فاعلين رئيسيين يعيدون تعريف طموحهم القاري… من المشاركة إلى الهيمنة.