في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المغرب، تحولت “بصلة العيد” إلى سلعة فاخرة في رمضان هذا العام، حيث قفز سعر الكيلوغرام إلى 12 درهماً في بعض الأسواق. هذا الارتفاع المفاجئ يخفي وراءه شبكة معقدة من العوامل الطبيعية والتجارية والسياسية، تطرح أسئلة محرجة عن فشل السياسات الزراعية وقوة لوبيات المضاربة. فما هي الحقيقة الكاملة وراء أزمة البصل؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا الغلاء؟ فقد أصبحت هذه المادة الأساسية، التي تستهلكها الأسر المغربية بشكل كبير، عبئًا إضافيًا على كاهل الأسر، خاصة خلال شهر رمضان الذي يتزايد فيه الإقبال على البصل.
أسباب الارتفاع:
كما أشار الفاعلون المهنيون، يعود هذا الارتفاع إلى عدة أسباب مترابطة:
ندرة المياه: يعاني المغرب من نقص حاد في الموارد المائية، ما أدى إلى تراجع في إنتاج البصل، خصوصًا البصل الجاف (الأحمر). فقد ذكر الفلاحون أن نقص المياه جعل الإنتاج ضعيفًا هذا الموسم مقارنة بالأعوام السابقة، حيث انخفضت مردودية الهكتار من 60-70 طنًا إلى حوالي 24 طنًا فقط.
موسم التصدير: شهدت الأشهر الأخيرة تصديرًا مكثفًا للبصل نحو أسواق إفريقيا، خاصة موريتانيا والسنغال. هذا التصدير أثر على توافر البصل في الأسواق المحلية، حيث تم تحويل كميات كبيرة نحو الخارج، مما أدى إلى قلة المعروض في الأسواق المغربية.
الطلب المرتفع في رمضان: يشهد شهر رمضان إقبالًا كبيرًا على البصل الجاف من طرف الأسر المغربية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب على هذه المادة. ومع نهاية موسم البصل الجاف، قل المعروض بشكل طبيعي، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار.
المضاربة في الأسواق: كما أشار المزارع موحى أرشون، يوجد أيضًا دور للمضاربين في السوق، حيث تقوم بعض الأطراف بالتحكم في الأسعار، مما يزيد من تعقيد المشكلة. فالفلاحون يعانون من قلة الدعم الحكومي والمشاكل اللوجستية التي تؤثر على الأسعار النهائية التي يصل إليها المستهلك.
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية:
ارتفاع أسعار البصل له تأثيرات كبيرة على الميزانية الأسرية المغربية. فهذه الزيادة لا تقتصر فقط على المستهلك العادي، بل تؤثر أيضًا على مراكز البيع بالتقسيط التي لا تستطيع التكيف مع الأسعار المرتفعة. يواجه المواطنون صعوبة في تأمين حاجتهم من البصل، مما يضعهم أمام خيارات محدودة من حيث التوريد.
أسئلة مفتوحة:
كيف يمكن للسلطات المحلية معالجة مشكل ندرة المياه لتحسين الإنتاج الزراعي؟
هل يجب على الحكومة اتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة المضاربة التي ترفع الأسعار؟
ما هي الإجراءات المتاحة لتوفير الدعم الكافي للفلاحين لتشجيعهم على زيادة الإنتاج المحلي؟
الخاتمة: بصلة تكشف أمراضاً مزمنة
أزمة البصل ليست مجرد ارتفاع في الأسعار، بل هي:
اختبار حقيقي لفعالية السياسات الزراعية
مقياس دقيق لضعف الحوكمة في سلاسل التوزيع
مؤشر صارخ على غياب الرؤية الاستراتيجية للأمن الغذائي
السؤال الأكبر: كم من الأزمات يجب أن تمر قبل إصلاح النظام الزراعي المغربي الذي ظل يعتمد على “إطفاء الحرائق” بدلاً من “منع الحرائق”؟
أسئلة تنتظر إجابات:
لماذا لا يتم تطبيق نظام “التتبع الذكي” للمواد الأساسية كما في تجربة مصر الناجحة؟
متى ستتحول جمعيات المستهلكين من دور “الاحتجاج” إلى دور “الرقابة الفعلية”؟
أين هي حدود المسؤولية بين وزارة الفلاحة ووزارة التجارة في إدارة هذه الأزمات؟