بلاغ أوزين: بين ولاء الدولة واستنفار الانتخابات… خطاب مزدوج لإعادة تموضع مبكر نحو 2026

0
106

في قراءة أولية، يبدو بلاغ محمد أوزين تقليديًا في لغته الحزبية، لكنه في عمقه يحمل بنية خطاب مزدوجة: ظاهرها التماهي مع الثوابت الوطنية، وباطنها تموقع سياسي دقيق استعدادًا لمعركة انتخابية قريبة. النص ليس مجرد إعلان مواقف، بل هو إعادة تموقع محسوبة لحزب الحركة الشعبية بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمعارضة.

من حيث الشكل، البلاغ مكتوب بمنطق “التوازن الواعي”: يبدأ بالإجماع الوطني حول قضية الصحراء، وهي نقطة لا خلاف حولها في المشهد السياسي المغربي، حيث يعلن الحزب انخراطه الكامل في الدينامية التي يقودها الملك المفدى محمد السادس حفظه الله ورعاه. هذا الجزء لا يضيف جديدًا سياسيًا بقدر ما يؤسس “لشرعية الكلام” التي تسمح للحزب لاحقًا بتمرير نقده للحكومة دون أن يُتهم بالخروج عن الإجماع الوطني. هنا، الرسالة الضمنية واضحة: نحن داخل النسق، لكننا لسنا جزءًا من فشله.

غير أن التحول الحقيقي في البلاغ يبدأ من الفقرة الثانية، حين ينتقل الخطاب إلى المجال الدولي، متوقفًا عند التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التموقع ليس بريئًا؛ فهو يعكس محاولة الحزب تقديم نفسه كفاعل سياسي يمتلك رؤية جيو-استراتيجية، وليس مجرد حزب محلي. لكن الأهم هو الإشارة الصريحة إلى التضامن مع دول الخليج، وهي رسالة موجهة للخارج بقدر ما هي موجهة للداخل، تعكس وعيًا بأهمية التوازنات الإقليمية في رسم صورة الحزب كقوة “مطمئنة” لشركاء المغرب.

الفقرة الثالثة تمثل قلب البلاغ الإيديولوجي. هنا، يستعمل الحزب لغة حادة ضد ما يسميه “حملات إعلامية مغرضة” تستهدف مؤسسات الدولة. الظاهر هو الدفاع عن الثوابت، لكن المضمون أعمق: إنها محاولة لإعادة رسم الحدود بين “المعارضة المقبولة” و”المعارضة المرفوضة”. بمعنى آخر، الحزب يعلن أنه يعارض من داخل النظام، لا ضده، ويرفض أي خطاب يمكن أن يُفهم كتشكيك في شرعية المؤسسات. هذه رسالة موجهة أيضًا للنخب الإعلامية: هناك سقف لا يجب تجاوزه.

لكن الذروة السياسية للبلاغ تظهر في الفقرة الرابعة، حيث ينتقل الخطاب من التلميح إلى التصريح. هنا، يوجه الحزب نقدًا مباشرًا للحكومة، ليس فقط على مستوى الأداء، بل على مستوى “المنهج”. يتحدث عن “عجز بنيوي” و”تطبيع مع الريع” و”زواج المصالح”، وهي عبارات ثقيلة سياسيًا، لكنها مصاغة بعناية لتفادي الاتهام المباشر. الرسالة الضمنية: المشكلة ليست في الظرفية الدولية فقط، بل في طريقة تدبير داخلي تفتقد للنجاعة والعدالة.

في هذا السياق، يطرح محمد أوزين نفسه كصوت بديل، عبر تقديم اقتراحات عملية مثل تسقيف أسعار المحروقات وتقليص الضغط الضريبي. هذه ليست مجرد توصيات اقتصادية، بل هي أدوات خطابية لإقناع الطبقة المتوسطة والفئات الهشة بأن الحزب يفهم معاناتها ويملك حلولًا. إنها محاولة واضحة لاستعادة الثقة الاجتماعية التي فقدتها الأحزاب التقليدية.

أما الفقرة الخامسة، فهي الأكثر صراحة من حيث الهدف: الانتخابات. الحديث عن محطة 23 شتنبر 2026 ليس مجرد تذكير زمني، بل إعلان دخول مبكر في الحملة الانتخابية. الحزب يقدم نفسه كبديل “جاهز”، لا فقط من حيث الخطاب، بل من حيث التنظيم والترشيحات. هنا، الرسالة الأساسية: الحركة الشعبية لا تريد فقط انتقاد الحكومة، بل تسعى لقيادة مرحلة جديدة.

في العمق، يمكن قراءة البلاغ كوثيقة سياسية بثلاث رسائل متداخلة:

أولًا، إلى الدولة: نحن ملتزمون بالثوابت ونشكل جزءًا من الاستقرار.
ثانيًا، إلى الحكومة: فشلكم فرصة لنا، وسنستثمرها سياسيًا.
ثالثًا، إلى المواطن: نحن نفهم أزمتكم ونقدم أنفسنا كبديل ممكن.

بهذا المعنى، البلاغ ليس مجرد نص إخباري، بل هو تمرين في “إعادة التموضع السياسي”، حيث يحاول الحزب أن يجمع بين شرعية القرب من الدولة وشرعية الدفاع عن المجتمع. وهو توازن صعب، لكنه يعكس إدراكًا عميقًا من محمد أوزين بأن المعركة القادمة لن تُحسم بالشعارات، بل بالقدرة على إقناع المغاربة بأن هناك أفقًا آخر ممكنًا.