في اجتماعٍ انعقد يوم الخميس 26 فبراير 2026، وقف المكتب الوطني للنقابة المستقلة لقطاعات الصحة، العضو في اتحاد النقابات المستقلة بالمغرب، عند مجموعة من القضايا والإشكالات التي تعكس، في جوهرها، توتراً متصاعداً بين مسار الإصلاح المعلن في قطاع الصحة والحماية الاجتماعية وبين التحديات المرتبطة بالتنزيل العملي على أرض الواقع.
البيان الصادر عن الاجتماع لم يأتِ في صيغة مطلبية تقليدية، بل حمل إشارات واضحة إلى أن الإشكال اليوم لم يعد في النصوص القانونية أو في الشعارات الإصلاحية، بقدر ما أصبح مرتبطاً بآليات التنفيذ، وبطبيعة الحكامة التي تؤطر هذا الورش الاستراتيجي الوطني.
أولاً: الإصلاح بين الإطار القانوني وغياب الإرادة التنفيذية
ينطلق الخطاب النقابي من مسلمة أساسية مفادها أن أي مشروع إصلاحي ذي أبعاد استراتيجية كبرى لا ينجح بمجرد سن القوانين أو إعادة هيكلة المؤسسات، بل يحتاج إلى إرادة تنفيذية واضحة، وإلى مشاركة فعلية لكل الأطراف المعنية.
وهنا يطرح البيان ضمنياً سؤالاً جوهرياً:
هل ما يجري اليوم هو تنزيل فعلي لمشروع الدولة الاجتماعية في قطاع الصحة، أم أن التنفيذ يصطدم بعقبات مرتبطة بتضارب المصالح، وضعف آليات المراقبة، وهيمنة مقاربات تدبيرية قد تُنتج اختلالات جديدة بدل إصلاح الاختلالات القائمة؟
التحليل النقابي يربط بين الإصلاح وبين ضرورة وجود حكامة “كفؤة، نزيهة، ومنصفة”، بعيداً عن أي اصطفاف حزبي أو نفوذ سياسوي. هذا التأكيد يكشف قلقاً واضحاً من احتمال اختراق المسار الإصلاحي باعتبارات غير تقنية.
ثانياً: التفويت الخارجي للخدمات… جدل الكلفة والهوية المهنية
من أبرز النقاط التي أثارها البيان موقف النقابة الرافض لعمليات التفويت الخارجي لبعض الخدمات الاستشفائية، معتبرة أن المناولة يجب أن تظل محدودة في الخدمات غير المرتبطة بالمهن الأساسية للمؤسسة الصحية.
هذه الملاحظة ليست تقنية فقط، بل تحمل أبعاداً اقتصادية ومهنية وسيكولوجية:
-
من الناحية الاقتصادية، تشير النقابة إلى مفارقة خطيرة تتمثل في أن كلفة بعض صفقات المناولة قد تفوق أحياناً كلفة أداء نفس الخدمات عبر الموارد البشرية الداخلية.
-
من الناحية التدبيرية، تفتح المسألة باب التساؤل حول جدوى هذا الخيار إذا لم يحقق وفراً مالياً أو تحسناً نوعياً ملموساً.
-
أما من الناحية المهنية، فالتوسع غير المبرر في التفويت قد يخلق شعوراً لدى المهنيين بتراجع القيمة الاعتبارية لأدوارهم، وهو ما قد ينعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة.
من هنا، يتضح أن النقاش لا يقتصر على خيار إداري، بل يتعلق بتصور شامل لطبيعة الخدمة العمومية وحدود تدخل القطاع الخاص داخل المنظومة العمومية.
ثالثاً: الحكامة المالية والإدارية… سؤال المحاسبة قبل التمويل
يركّز البيان على مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” باعتباره مدخلاً أساسياً لتقييم الأداء الإداري والمالي داخل القطاع.
الرسالة هنا واضحة:
الإصلاح لا يقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة أو بتغيير النصوص التنظيمية، بل بمدى وجود آليات عملية للمتابعة والتقييم والمساءلة.
هذا الطرح يعكس إدراكاً بأن الخلل، إن وُجد، قد لا يكمن في نقص الموارد بقدر ما يكمن في طريقة تدبيرها وتوجيهها، وفي ضعف الرقابة على مسارات صرفها.
رابعاً: الخصاص البشري… التحدي البنيوي الأكبر
في تحليلها للسياق العام، تعترف النقابة بأن المنظومة الصحية تواجه إكراهاً بنيوياً حاداً، يتصدره الخصاص في الموارد البشرية.
وهذا المعطى يكشف مفارقة مهمة:
فبينما يتم إطلاق إصلاحات هيكلية وطموحات تتعلق بالتغطية الشاملة وتقليص الفوارق المجالية، فإن نجاح هذه الإصلاحات يظل رهيناً بتوفير العنصر البشري الكافي والمؤهل لتنفيذها.
من هنا يتضح أن أي حديث عن الدولة الاجتماعية في قطاع الصحة يصطدم مباشرة بسؤال الموارد البشرية: عدداً، توزيعاً، وتحفيزاً.
خامساً: الرسالة الضمنية… رفض منطق الريع وتسييس المرفق الصحي
أحد أقوى الأبعاد المضمرة في البيان يتمثل في التحذير من:
-
الإنتهازية
-
الفئوية
-
تضارب المصالح
-
واستغلال المناصب الإدارية لأغراض غير مهنية


