في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الإعلام وتتداخل السياسة مع التأويلات الرقمية، يعود ملف العلاقات المغربية المصرية إلى واجهة النقاش من بوابة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها محمّلة بكثافة رمزية وسياسية في عمقها: عودة انعقاد اللجنة العليا المشتركة بين الرباط والقاهرة.
في هذا السياق، قدّم الخبير في العلاقات الدولية تاج الدين الحسيني قراءة تعتبر أن ما تم الترويج له حول “تدهور” العلاقات بين البلدين لا يعدو أن يكون بناءً إعلامياً أكثر منه واقعاً دبلوماسياً، وأن استئناف الحوار في القاهرة جاء ليعيد تثبيت صورة الاستمرارية داخل علاقة تتجاوز منطق اللحظة.
لكن خلف هذا التوصيف الهادئ، يظهر خطاب كامل لإعادة ترتيب السردية: من يتحكم في تعريف الأزمة؟ ومن يملك حق إعلان انتهائها؟
تأجيل تقني أم لحظة اختبار للسردية؟
ينطلق الحسيني من نقطة مفصلية: تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة، الذي كان مقرراً في 10 أبريل، لم يكن حدثاً سياسياً في ذاته، لكنه تحوّل في الفضاء الإعلامي إلى “علامة أزمة” قابلة للتضخيم.
هنا، لا يكتفي الخطاب بوصف ما جرى، بل يوجّه نقداً ضمنياً لما يسميه “القراءة الإعلامية الانتقائية”، التي حولت التأجيل إلى دليل على التوتر، قبل أن تأتي عودة الاجتماعات في القاهرة لتفكيك هذا البناء الرمزي وإعادة الأمور إلى “نصابها الطبيعي” حسب المنطق الرسمي.
الرسالة الضمنية هنا واضحة: السياسة لا تُدار بمنطق العناوين الإعلامية، بل بمنطق الاستمرارية المؤسساتية.
الدبلوماسية كجغرافيا للرمزية لا فقط للتقنية
في عمق الطرح، لا تُقدَّم اللجنة المشتركة كآلية تقنية للتنسيق فقط، بل كـ”مسرح سياسي” يعاد فيه إنتاج صورة العلاقات الثنائية.
حضور رئيسي حكومتي البلدين، إلى جانب وزراء من قطاعات استراتيجية متعددة، لا يُقرأ هنا كإجراء بروتوكولي، بل كإشارة مقصودة إلى أن العلاقة بين الرباط والقاهرة محمية بطبقات مؤسساتية متعددة، تجعل من الصعب اختزالها في حدث إعلامي أو تأجيل إداري.
وبهذا المعنى، تتحول اللجنة من فضاء تفاوضي إلى “إعلان سياسي عن استمرار العلاقة”.
التاريخ كشرعية صامتة للحاضر
في محاولة لتثبيت العمق التاريخي للعلاقات، يستحضر الحسيني مرجعاً رمزياً كثيفاً: المشاركة المغربية إلى جانب مصر في حرب أكتوبر 1973، في ما يُقدَّم كذاكرة مشتركة تتجاوز الحسابات الظرفية.
هذا الاستدعاء ليس تفصيلاً تاريخياً، بل وظيفة خطابية واضحة: نقل العلاقة من مستوى “الخلافات الآنية” إلى مستوى “الدم المشترك”، بما يمنحها حصانة رمزية ضد تقلبات السياسة اليومية.
الإعلام والفضاء الرقمي: من نقل الخبر إلى صناعة التوتر
في جزء آخر من التحليل، ينتقل الخطاب إلى تفكيك ما يعتبره مصدر “تضخيم” الخلافات، أي الفضاء الرقمي ووسائط التواصل الاجتماعي.
هنا يظهر مفهوم “الذباب الإلكتروني” كعنصر تفسيري محوري، يُستخدم لإعادة تأطير التوترات لا كخلافات بين دول، بل كنتاج لتفاعلات رقمية مشوشة.
هذا التحويل مهم جداً في البنية الخطابية:
بدلاً من الاعتراف بتوتر سياسي، يتم نقله إلى مستوى “تشويش معلوماتي”، ما يسمح بتخفيف حدته وإخراجه من دائرة السياسة الرسمية.
الاقتصاد: التوتر المُدار داخل قنوات التفاوض
على المستوى الاقتصادي، لا ينفي الخطاب وجود اختلالات، لكنه يعيد تصنيفها داخل خانة “الإشكالات القابلة للحل”.
تُطرح هنا ملفات محددة:
-
صعوبات تصدير السيارات المغربية نحو السوق المصرية
-
حجز بعض السلع في الموانئ
-
اختلال الميزان التجاري لصالح مصر
-
اتهامات غير مباشرة بممارسات إغراق تجاري
لكن اللافت أن هذه القضايا تُقدَّم لا كأزمات بنيوية، بل كـ”ملفات تقنية” تعالج داخل اللجنة المشتركة، ما يعيد تأطير الاقتصاد كحقل تفاوض لا حقل صراع.
منطق التوازن الإقليمي: صورتان لدور واحد
في البعد الاستراتيجي، يعيد الخطاب رسم خريطة الأدوار:
-
مصر تُقدَّم كـ”قلب العالم العربي” وفاعل مركزي في التوازنات الإقليمية
-
المغرب يُصوَّر كمنصة ربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي والآسيوي


