لم يكن فوز المنتخب الوطني المغربي على نظيره الكاميروني، بهدفين دون رد، في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، مجرد عبور تقني إلى المربع الذهبي، بقدر ما كان اختبارًا جديدًا لخطاب وليد الركراكي، المدرب الذي بات يُدير المباريات كما يُدير الروايات: بحساب دقيق للتفاصيل، ووعي بثقل الذاكرة القارية، وحذر واضح من المبالغة في الاحتفال.
تصريحات الركراكي عقب اللقاء بدت، في ظاهرها، احتفاءً بروح المجموعة والانضباط التكتيكي، لكنها حملت في عمقها قراءة مركّبة لمباراة اختلط فيها التفوق بالضغط، والسيطرة بالتحفّظ. فالمدرب الوطني لم يُخفِ صعوبة المواجهة أمام منتخب كاميروني يُعدّ من أكثر المدارس الإفريقية تمرّسًا في مباريات الإقصاء، خاصة حين يتعلّق الأمر بمواجهات الأدوار الحاسمة.
حديثه عن “المعاناة بعد الاستراحة” لم يكن توصيفًا عابرًا، بل اعترافًا ضمنيًا بأن المباراة لم تكن مغلقة بالكامل لصالح المغرب، وأن التفوق لم يكن مطلقًا، بل نتاج إدارة ذكية للّحظات الحرجة. هنا، يبرز اختيار الركراكي لمفردات مثل “الصلابة” و“التنظيم” كرسالة مزدوجة: طمأنة للداخل، وتذكير للخارج بأن المنتخب المغربي لا ينتصر فقط بالموهبة، بل بقدرة ذهنية على امتصاص الضغط.
أما استحضاره لفكرة “كسر عقدة تاريخية” وبلوغ نصف النهائي بعد غياب طويل، فيضع التأهل في سياق رمزي يتجاوز هذه النسخة من البطولة. فالتاريخ، في خطاب الركراكي، ليس مادة للاحتفال فقط، بل عبء يجب التعامل معه بحذر، وهو ما يفسّر إصراره على طيّ صفحة الفوز سريعًا، والدعوة إلى التركيز على الاستشفاء والاستعداد الذهني لما هو قادم.
على المستوى القاري، يعكس هذا التأهل استمرار الحضور المغربي في دائرة المنافسة الجدية، في وقت تشهد فيه كرة القدم الإفريقية تحولات واضحة في موازين القوة، مع صعود منتخبات عربية وإفريقية جديدة، وتراجع نسبي لهيمنة الأسماء التقليدية. كما أن احتمال مواجهة الجزائر أو نيجيريا في نصف النهائي يضع المنتخب المغربي أمام اختبار يتجاوز البعد الرياضي، ليطال الرهانات النفسية والإعلامية، وحتى الرمزية العربية داخل بطولة إفريقية شديدة الحساسية.
المباراة نفسها، التي افتتحها إبراهيم دياز بهدف مبكر نسبيًا، ثم حسمها إسماعيل الصيباري في الشوط الثاني، كشفت عن منتخب قادر على التحكّم في الإيقاع حين تتوفر له الأفضلية، لكنه لا يزال مطالبًا بتطوير قدرته على قتل المباريات في فترات الضغط، خاصة أمام خصوم يملكون نفسًا طويلًا وتجربة قارية واسعة.
في المحصلة، يبدو أن الركراكي اختار بعد هذا التأهل أن يُخفف من منسوب الاحتفال، ويرفع منسوب الواقعية. فـ“مواصلة كتابة التاريخ”، كما قال، ليست شعارًا بقدر ما هي مسار يتطلب إدارة دقيقة للتوقعات، والوعي بأن نصف النهائي ليس نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تقلّ هوامش الخطأ، وتزداد كلفة التفاصيل الصغيرة.