بين تجربة الركراكي في قطر و«رهان وهبي» قبل المونديال… قراءة تحليلية في توقيت تغيير المدرب والتحديات الكامنة

0
109

في أقل من أربعة أشهر تفصلنا عن كأس العالم لكرة القدم في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، أقدمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على خطوة من الصعب فهمها إلا في سياق أوسع للعبة الوطنية: تغيير مدرب المنتخب الوطني الأول، وترك منصبه للمدرب الوطني محمد وهبي – وهو قرار أثار سجالاً عميقاً في الأوساط الكروية والإعلامية.

هذه الخطوة تذكرنا بالمشهد نفسه قبل مونديال قطر 2022، عندما تولى Walid Regragui قيادة المنتخب في وقت لا يقل عن ثلاثة أشهر قبل انطلاق البطولة، ونجح في تحويل رصيد الضغط إلى أداء تاريخي بلغ فيه الأسود نصف نهائي المونديال، وهو الإنجاز الذي غير نظرة العالم لكرة القدم إلى إفريقيا والعرب.

لكن الوقائع الراهنة تحمل في ثناياها أسئلة إشكالية أكثر تعقيداً من مجرد إعادة تجارب سابقة: فهل يكفي استخدام نفس المنهج في سياق مختلف تماماً؟ وهل يمكن أن يتحول التغيير المتأخر في الجهاز الفني إلى فرصة لتحفيز الفريق، أم أنه خطر يربك العلاقة الفنية داخل المنتخب في لحظة تحتاج إلى أكبر قدر من الاستقرار والوضوح؟

رهانات التغيير

الاختيار وقع على محمد وهبي، المدرب الذي قاد منتخب أقل من 20 سنة إلى لقب كأس العالم للشباب في تشيلي عام 2025، وهو إنجاز تاريخي لم يحققه أي مدرب مغربي من قبل في فئات الناشئين. إنجاز وهبي منح الجامعة حججاً قوية للتسويق لفكرتها باعتباره القادر على إحداث «إشباع جديد» داخل الفريق الوطني في اللحظات الحاسمة.

الرهان هنا مزدوج:

  1. الاستفادة من دينامية الانتصار التي صنعها وهبي بين الشباب، وتحويلها إلى زخم إيجابي داخل الفريق الأول.

  2. تحفيز الأجيال القديمة والوسطى والرابعة من اللاعبين – الذين يجمعون بين خبرة دولية وثِقَل تكتيكي، لإعادة رسم صورة المنتخب المغربي في المونديال القادم بما يتناسب مع تاريخ كرة القدم المغربية.

لماذا التوقيت يثير الجدل؟

التغيير في مثل هذا التوقيت ليس مجرد قرار فني؛ بل هو بيان سياسي وإداري داخل منظومة الكرة الوطنية. النقاد يرون أن تبديل المدرب قبل وقت قصير من انطلاق أكبر حدث كروي في العالم يمكن أن يؤدي إلى:

  • تفكيك الاستقرار الفني الذي عمل عليه الفريق خلال الفترة الماضية.

  • خلق حالة من الارتباك النفسي لدى اللاعبين، خاصة وأنهم تربطهم علاقة قوية بأسلوب واستراتيجية المدرب السابق.

في المقابل، هناك من يبرر القرار بأن الاستمرارية وحدها لا تكفي في فريق يسعى لتحقيق إنجازات أكبر من تلك التي تحققت في 2022، وأن دمج وجوه تدريبية جديدة قد يمنح الفريق «هواءً فنياً ونفسياً» جديداً قبل مواجهة منتخبات قوية على الساحة العالمية.

مواطن القوة والضعف في هذا الرهان

يبقى لأداء المنتخب أمام قادة كبار في المجموعة (مثل البرازيل واسكتلندا) شأن كبير في تحديد مدى نجاح هذه المخاطرة التكتيكية والإدارية. فإذا نجح وهبي في تحويل الطاقة الباطنية للفريق إلى أداء يليق بتاريخه وكاريزما لاعبيه، فسيكون التغيير قد أثبت قيمته. أما إذا تحولت فترة الإعداد إلى «حالة لبْس» بين أفكار المدرب الجديد ومتطلبات الفوز في مونديال سريع الإيقاع، فإن القرار سيكون قد أضاف حالة عدم استقرار في لحظة حساسة.

السيناريوهات المحتملة

  • سيناريو التفاؤل: وهبي يستغل خبرته مع المنتخبات الصغرى، فيدمج روح الفوز المتجددة مع عقلية الفريق الأول، وتتحول هذه المرحلة إلى نقلة نوعية في المسار الكروي المغربي.

  • سيناريو التحفظ: الفريق يخسر انسجامه تدريجياً بسبب التغييرات الفنية والتكتيكية قبل البطولة، ويظهر أداء متذبذباً في المباريات التحضيرية، ما يلقي ظلالاً على جاهزيته قبل انطلاق كأس العالم.

خاتمة تحليلية

إعادة تعيين مدرب قبل أشهر قليلة من انطلاقة كأس العالم يعيدنا إلى تعليمات التاريخ: هل يخلق الضغط الأفضل، أم يقوده إلى الأخطر؟ التجربة السابقة مع الركراكي في قطر أثبتت أن المرونة في اتخاذ القرار يمكن أن تقود إلى نتائج غير متوقعة، لكنها ليست ضمانة في حد ذاتها. هذه المرة، لا يتعلق الأمر فقط بخبرة فنية، بل بتوقيتوجية عقلية الفريق، وتوافق رؤى الجهاز الفني مع طموح الجماهير المغربية وإرثها الكروي.

بمعنى آخر، إن قرار الجامعة ليس مجرد تغيير شخصي في منصب فني، بل راهِن على ما إذا كان الضغط والمتغيرات الزمنية يمكن أن تتحول إلى حافز أداء وليس إلى عبء ثقيل قبل أضخم حدث في كرة القدم.