بين حماية الدين وإنقاذ الإنسان: من لندن… دعوة مغربية لإعادة رسم حدود السلطة والمقدّس

0
43

من داخل قاعة مجلس العموم البريطاني، لم تكن مداخلة آمنة بوعياش مجرد عرض حقوقي تقني، بل بدت كأنها محاولة لإعادة رسم خريطة العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة في عالم يتجه نحو مزيد من التوترات الهوياتية. الدعوة إلى إطار دولي يمنع إساءة استخدام الأديان لم تأتِ في فراغ، بل في سياق دولي مثقل بصراعات تُستدعى فيها العقائد لتبرير العنف أو لإضفاء شرعية على الهيمنة، وهو ما يجعل من هذا الطرح أقرب إلى “إنذار مبكر” أكثر منه مجرد اقتراح قانوني.

في جوهر المقاربة التي قدمتها بوعياش، يبرز تحول نوعي: من الدفاع التقليدي عن حرية المعتقد إلى طرح سؤال الحماية من الدين حين يتحول إلى أداة ضغط أو توظيف سياسي. هنا، لا يُنظر إلى الدين كقيمة روحية فقط، بل كقوة اجتماعية قد تُستعمل في الاتجاهين؛ بناءً أو هدماً. لذلك، شددت على ضرورة تعريف دقيق لمفهوم “إساءة استخدام الدين”، وهو تعريف يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في العمق يلامس واحدة من أعقد الإشكالات القانونية والسياسية في العالم المعاصر: أين تنتهي الحرية الدينية وأين يبدأ التلاعب بها؟

غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في أبعاده النظرية، بل في انعكاساته على الإنسان العادي، وخاصة المواطن المغربي. ففي مجتمع مثل المغرب، حيث يشكل الدين أحد أعمدة الهوية الجماعية، يصبح أي حديث عن “تنظيم العلاقة مع الدين” محفوفاً بحساسيات متعددة. المواطن هنا لا يواجه فقط تحدي الحفاظ على حريته في الاعتقاد، بل أيضاً خطر الانجرار إلى خطابات توظف الدين لتأطير مواقفه السياسية أو الاجتماعية دون وعي منه. من هذا المنظور، تبدو دعوة بوعياش محاولة لحماية الفرد قبل حماية الدين نفسه؛ حماية وعيه من أن يُختطف باسم المقدس.

اللافت أيضاً أن المقاربة المغربية، كما عُرضت في لندن، تحاول التوازن بين مستويين متناقضين ظاهرياً: رفض المساس بحرية المعتقد من جهة، والتصدي الحازم لكل أشكال التوظيف الديني العنيف أو الإقصائي من جهة أخرى. هذا التوازن يعكس تجربة مغربية خاصة، حيث تسعى الدولة إلى تقديم نموذج “إسلام معتدل” قائم على إمارة المؤمنين، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات داخلية وخارجية، من بينها صعود الخطابات المتطرفة العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، تبرز نقطة جوهرية في خطاب بوعياش: مسؤولية الدولة. فالدولة لم تعد فقط ضامنة لحرية المعتقد، بل مطالبة أيضاً بحماية المجال الديني من الاختراق والتوظيف. غير أن هذا الدور يطرح بدوره إشكالاً عميقاً: كيف يمكن للدولة أن تتدخل لحماية الدين دون أن تتحول هي نفسها إلى فاعل في “تنظيمه” أو “توجيهه”؟ هذا السؤال يظل مفتوحاً، ويكشف أن أي إطار دولي مستقبلي سيصطدم حتماً بتباين النماذج السياسية والثقافية بين الدول.

أما على المستوى الاستشرافي، فإن التركيز على التربية والتأطير المؤسسي يعكس إدراكاً بأن المعركة الحقيقية ليست قانونية فقط، بل ثقافية أيضاً. فالتطرف، كما أثبتت التجارب، لا يُهزم بالنصوص وحدها، بل ببناء وعي نقدي لدى الأفراد، قادر على التمييز بين التدين كقيمة روحية، والتدين كأداة تعبئة أو تحريض.

في النهاية، لا تبدو دعوة آمنة بوعياش مجرد مبادرة حقوقية معزولة، بل جزءاً من نقاش عالمي آخذ في التشكل حول مستقبل العلاقة بين الدين والسلطة. غير أن نجاح هذا الطرح سيظل رهيناً بقدرته على النزول من مستوى الخطاب الدولي إلى واقع الناس، حيث يظل المواطن—في المغرب كما في غيره—هو الحلقة الأضعف والأكثر عرضة لتبعات أي انحراف في هذه العلاقة. هنا تحديداً، يتحول السؤال من “كيف نحمي الدين؟” إلى “كيف نحمي الإنسان من كل ما قد يُرتكب باسمه؟”.