أحدث تصريح مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، حول قدرة المغاربة على “سن الأضحية هذا العام” رغم غلاء المحروقات، ومبرّر دعم النقل، ردود فعل واسعة في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. التصريحات الحكومية ركزت على طمأنة المواطنين وشرح آليات دعم النقل وتنظيم السوق، لكنها في الوقت نفسه أثارت تساؤلات حول مدى تأثير السياسات المتبعة على حياة الأسر اليومية وقدرتها على مواجهة الغلاء المستمر.
أضحية العيد بين الرمزية والضغط الاقتصادي
لطالما شكل عيد الأضحى مناسبة اقتصادية حقيقية في المغرب، إذ تمثل نفقات الأضحية نسبة كبيرة من ميزانية الأسر، وقد بلغ أنفاق الأسر على اللحوم أكثر من 30% من ميزانية اللحوم السنوية في السنوات الماضية. الحكومة تعتبر تصريح “المغاربة سينحرون أضحية العيد” نوعاً من رسائل الاطمئنان الاجتماعي في مواجهة مخاوف المواطنين الذين يشعرون بضغوط إضافية نتيجة ارتفاع الأسعار. ولكن هذا الطمأنة لا تلغي في الواقع تأثيرات ارتفاع تكاليف الإنتاج (كالأعلاف والمحروقات) التي تزيد العبء على الفلاحين والمستهلكين على حد سواء، خصوصاً في سياق الجفاف الذي أثر أيضاً على حجم الإنتاج الفلاحي.
دعم النقل: تنظيم أم استجابة مؤقتة؟
أوضح بايتاس أن الحكومة أقرت دعم النقل منذ 2022 لمواجهة التوترات في الإمدادات التي أثرت على العرض والطلب في السوق، وأن هذا الدعم يساعد في حفظ أسعار النقل العمومي ونقل البضائع ضمن مستويات مقبولة بغية حماية القدرة الشرائية للمستهلكين. لكن هذا الكلام الرسمي لا يغطي كل الصورة. في الواقع:
-
السوق المغربي يشهد تقلبات واضحة في أسعار المحروقات، حيث غالباً ما تظهر انخفاضات طفيفة بعد ارتفاعات حادة، وهي تقلص من أثر أي دعم تقدّمه الدولة على المدى القصير، بينما يبقى ارتفاع الأسعار تأثيراً أقوى محسوساً من طرف المواطنين.
-
رغم دعم النقل، فإن تكلفة النقل تبقى عاملاً رئيسياً في تسعير السلع الأساسية، ما يعني أن الأسعار النهائية للمستهلك لا تزال تحت ضغط تكاليف النقل والمواد الداخلة في الإنتاج.
الحكومة تسعى من جهة إلى طمأنة الأسواق عبر لجان المراقبة وتنظيم السوق، وتقول إنها كثّفت عمليات التفتيش على السلع الأساسية لضمان وفرتها وسلامتها، لكن هذه الإجراءات لا تُلغي حقيقة أن التضخم وتأثير ارتفاع المواد الأولية ما زال ملموساً في جيوب المواطنين.
ردود فعل المجتمع المدني والسياسي
لم تقتصر ردود الفعل على تصريحات الحكومة وحدها:
-
أحزاب سياسية مثل حزب الحركة الشعبية انتقدت الحكومة على خلفية غياب قرار تحديد سقف أسعار المحروقات، معتبرة أن ذلك من صلاحيات الدولة لمواجهة ارتفاع الأسعار.
-
في الأوساط الشعبية وعلى منصات النقاش، تظهر شعوراً عاماً بأن الدعم الحالي لا يخاطب جذور الارتفاعات في الأسعار، بل يُعدّ “ترقيعاً” يخفف من آثار الأزمة بشكل مؤقت. تبرز تعليقات المواطنين شعوراً بالإحباط من قلة التحسن الحقيقي في الأسعار اليومية، ووجود تباين بين تصريحات الرسمية وواقع المعيشة.
الأبعاد المضمرة وراء البيانات الرسمية
بالرغم من لهجة الطمأنة التي يستخدمها الناطق الرسمي، فإن الظروف الاقتصادية الراهنة تكشف عن تحديات أعمق في بنية السوق:
-
التدخلات الحكومية في شكل دعم أو مراقبة أسعار لا تعالج هيكل التضخم المتعلق بتكلفة المدخلات الأساسية مثل الأعلاف والطاقة، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر في القدرة الشرائية للمواطنين.
-
دعم النقل قد يحافظ على استقرار الأسعار بشكل مؤقت، لكنه لا بد أن يكون مصحوباً بسياسات لإصلاح الأسواق وتخفيف الضغط على نفقات الأسر، الأمر الذي يتطلب رؤية مؤسسية أعمق وليس فقط تدابير آنية.


