بين محامٍ صار وزيراً ووزارةٍ اصطدمت بجسمها المهني: كيف تحوّل مشروع قانون المهنة إلى اختبار سياسي لمفهوم العدالة بالمغرب؟

0
74

لم يكن التصعيد الأخير بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب ووزارة العدل مجرد خلاف تقني حول مواد قانونية، بقدر ما تحوّل إلى أزمة ثقة عميقة داخل منظومة يفترض أنها تقوم أصلاً على الحوار والتوازن بين السلطة والتنظيم المهني. فحين يُضرب المحامون عن العمل، وتُشلّ المحاكم لأسابيع، فإن الأمر يتجاوز مطلباً فئوياً ليطرح سؤالاً سياسياً مباشراً: من يملك فعلياً حق تعريف العدالة وإعادة هندستها في المغرب؟

المفارقة التي زادت من حدة الاحتقان أن وزير العدل نفسه ينتمي إلى مهنة المحاماة، بل راكم داخلها مساراً طويلاً قبل أن يلج الحكومة. وهو ما جعل كثيرين داخل الجسم المهني يعتبرون أن ما حدث لا يمكن فهمه فقط كخلاف حول نص تشريعي، بل كـ«قطيعة رمزية» بين محامٍ سابق ومهنة يُفترض أنه يعرف حساسياتها أكثر من غيره. فبدل أن يشكل هذا الانتماء رافعة للتقريب، تحوّل في نظر المحتجين إلى عنصر صدمة: كيف لمحامٍ سابق أن يقبل بتمرير قانون دون إشراك حقيقي لأهل المهنة؟

من الناحية الظاهرة، يتمحور الخلاف حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، الذي تعتبره الجمعية متضمناً لمقتضيات تمس جوهر الاستقلالية والحصانة المهنية. وهي ضمانات لا تُقدَّم هنا كامتيازات نقابية، بل كركائز دستورية لحماية حق الدفاع نفسه. بمعنى آخر، ما يدافع عنه المحامون ليس وضعهم المهني فقط، بل موقعهم داخل هندسة العدالة كسلطة موازية للنيابة والقضاء، لا كجهاز تابع أو قابل للضبط الإداري.

لكن خلف هذا السجال القانوني، يبرز بُعد أعمق: صراع حول من يملك سلطة تعريف الإصلاح. فوزارة العدل تتصرف بمنطق الدولة المُصلحة التي ترى في إعادة تنظيم المهنة جزءاً من تحديث المنظومة القضائية، بينما ينطلق المحامون من منطق الشريك المؤسساتي الذي يرفض أن يكون موضوعاً للإصلاح بدل أن يكون فاعلاً فيه. هذا التباين في الرؤية هو ما حوّل مشروع القانون من نص تقني إلى ملف سياسي بامتياز.

التصعيد غير المسبوق، الذي بلغ حد التوقف الشامل عن العمل وشلّ جلسات مدنية وجنائية في مختلف محاكم المملكة، كشف هشاشة التوازن داخل المرفق القضائي. فغياب الدفاع يعني عملياً تعطيل الحق في المحاكمة العادلة، وهو ما جعل المتقاضين يتحولون إلى ضحايا جانبيين لصراع مؤسساتي لم يكونوا طرفاً فيه. هنا بالضبط دخلت الأزمة مرحلة حساسة، إذ لم تعد مسألة داخلية تخص المحامين والوزارة، بل صارت تمس صورة الدولة في تدبير العدالة كخدمة عمومية.

تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وإعلانه تجميد إحالة المشروع على البرلمان وتشكيل لجنة مشتركة تحت إشرافه، لم يكن مجرد مبادرة تقنية لفض النزاع، بل خطوة سياسية بامتياز لاحتواء أزمة كانت مرشحة للتحول إلى سابقة خطيرة في تاريخ العلاقة بين الدولة والمهن القانونية. فاللجنة المشتركة، في معناها العميق، تعكس اعترافاً ضمنياً بأن منطق الفرض التشريعي دون توافق مهني لم يعد ممكناً في قضايا تمس جوهر العدالة.

التهدئة الحالية، التي سمحت بعودة المحامين إلى الجلسات ابتداء من 16 فبراير، تبدو أقرب إلى «هدنة حذرة» منها إلى حل نهائي. فالجسم المهني أوضح أن استئناف العمل لا يعني التراجع عن المطالب، بل الدخول في مسار تفاوضي جديد مشروط بنتائج اللجنة المشتركة. وهذا ما يجعل الأزمة مؤجلة أكثر مما هي منتهية، ومفتوحة على سيناريوهين: إما بناء توافق حقيقي يعيد الثقة، أو عودة الاحتقان بشكل أعنف إذا شعر المحامون بأن الحوار مجرد امتصاص للغضب.

في العمق، تكشف هذه الأزمة خللاً بنيوياً في طريقة تدبير الإصلاح القانوني بالمغرب. فالدولة ما تزال تتعامل مع التشريع بمنطق عمودي، حتى حين يتعلق الأمر بقطاعات قائمة على الاستقلالية مثل المحاماة. بينما تطالب المهن القانونية بمنطق أفقي، قوامه الشراكة والتفاوض والاعتراف المتبادل بالشرعية.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا الملف لا يتعلق فقط بمصير مشروع قانون المهنة، بل بطبيعة النموذج الذي يريده المغرب لإصلاح العدالة: هل هو نموذج إداري تقوده السلطة التنفيذية من أعلى، أم نموذج تشاركي يعترف بأن العدالة لا تُدار فقط بالقوانين، بل أيضاً بثقة الفاعلين الذين يصنعونها يومياً داخل المحاكم؟

بين محامٍ صار وزيراً، ومحامين يرون في مشروعه تهديداً لهوية المهنة، تتجلى أزمة أعمق من مجرد نص تشريعي: أزمة تصور لدور القانون نفسه. هل هو أداة ضبط للدولة، أم فضاء توازن بين سلطات ومهن مستقلة؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد، في النهاية، إن كانت هذه الهدنة بداية إصلاح حقيقي… أم مجرد توقف مؤقت في صراع لم يُحسم بعد.