تراجع مبيعات الإسمنت بالمغرب: ركود عابر أم اختلال عميق في بنية العرض والطلب؟

0
111
صورة: و.م.ع

بوصفها العصب الحيوي والمؤشر الاستراتيجي العاكس لنبض قطاع البناء والأشغال العمومية بالمغرب، لم تعد مادة الإسمنت مجرد مدخل تقني في تشييد الوحدات السكنية، بل تحولت إلى معيار يقاس به زخم المشاريع الكبرى، وحجم الاستثمارات في البنيات التحتية، ووتيرة الحركة الاقتصادية داخل المجال العقاري. لذلك فإن تسجيل تراجع في مبيعات هذه المادة بنسبة تقارب 15.81 في المائة عند متم فبراير 2026، بإجمالي بلغ حوالي 2.09 مليون طن وفق معطيات مهنية رسمية، لا يمكن قراءته كرقم إحصائي عابر، بل كمؤشر يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة المرحلة التي يمر منها القطاع.

ويعكس هذا التراجع في جوهره حالة من التذبذب في النشاط العام المرتبط بأوراش البناء، إذ إن أي انخفاض في استهلاك الإسمنت غالبا ما يُترجم بشكل مباشر إلى تباطؤ في تنفيذ المشاريع أو تأجيل لبعض العمليات الميدانية. غير أن القراءة المهنية لا تتوقف عند حدود الأرقام، بل تحاول تفكيك الأسباب الكامنة خلف هذا المنحنى النزولي، والتمييز بين العوامل الظرفية المؤقتة والعوامل البنيوية المرتبطة بتركيبة السوق نفسها.

ومن زاوية التحليل الظرفي، تشير قراءات خبراء إلى أن التساقطات المطرية المسجلة خلال الأشهر الأولى من السنة ساهمت في خفض وتيرة العمل في الأوراش المكشوفة، ما أدى إلى تقليص الطلب الفوري على مواد البناء، وفي مقدمتها الإسمنت. فالمشاريع التي تعتمد على تقدم الأشغال في الميدان تتأثر بشكل مباشر بالظروف المناخية، مما يجعل التراجع في هذه الحالة مؤجلا للنشاط وليس إلغاء له. كما أن تزامن الفترة مع خصوصية زمنية معينة، بما فيها تأثيرات شهر رمضان الذي غالبا ما يشهد تباطؤا نسبيا في الحركة الاقتصادية، يعزز فرضية أن جزءا من الانخفاض مرتبط بدورة موسمية متوقعة وليست بانهيار هيكلي في الطلب.

غير أن الاقتصار على العامل المناخي وحده لا يكفي لتفسير المشهد. فهناك اختلالات أعمق تتعلق ببنية السوق العقاري نفسه، خصوصا ما يرتبط بالفجوة بين العرض والطلب في مجال السكن منخفض التكلفة. الطلب الاجتماعي على السكن الذي يتلاءم مع القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين ما يزال مرتفعا، في حين يواجه المستثمرون صعوبات متزايدة في إنتاج وحدات بأسعار في المتناول، بسبب ارتفاع أسعار الأراضي، وتكلفة المواد الأولية، وضغوط التمويل، فضلا عن الإكراهات التقنية المرتبطة بمخططات التهيئة الحضرية التي تحد من إمكانيات البناء العمودي في العديد من المدن.

إلى جانب ذلك، يثير بعض الفاعلين المهنيين تساؤلات حول أثر الإطار القانوني والتنظيمي على دينامية الاستثمار العقاري. فطول المساطر الإدارية للحصول على التراخيص، والتي قد تمتد في بعض الحالات إلى سنة ونصف السنة، ينعكس سلبا على سرعة إطلاق المشاريع ويؤخر ترجمة النوايا الاستثمارية إلى أوراش فعلية. كما أن المخاطر المرتبطة بالملكية العقارية، وما يرتبط بها من إشكالات التزوير أو ضعف الحماية القانونية في بعض الحالات، تخلق حالة من التردد لدى المواطنين والمستثمرين على حد سواء، مما يؤثر في الإقبال على اقتناء أو تطوير العقار.

وفي هذا السياق، يرى متابعون أن النقاش لا ينبغي أن يتركز فقط على الأرقام المسجلة في مبيعات الإسمنت، بل على السؤال الجوهري المتعلق بمدى قدرة السياسات العمومية الحالية على إعادة التوازن بين العرض والطلب، وتبسيط المساطر، وتعزيز الثقة في السوق. فبعد انتهاء بعض البرامج السابقة للسكن الاجتماعي، ورغم إطلاق مبادرات جديدة، لا تزال عملية امتصاص الطلب المتراكم تواجه تحديات عملية تتطلب معالجة متكاملة.

كما أن المعيار الحقيقي لقياس صحة قطاع البناء لا يكمن فقط في عدد التراخيص الممنوحة، بل في حجم الوحدات السكنية التي يتم إنتاجها فعليا وتسويقها في السوق. ومن هذا المنظور، فإن التراجع المسجل في استهلاك الإسمنت قد يكون مؤشرا على تباطؤ في وتيرة الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه قد يعكس مرحلة إعادة تموضع للسوق في انتظار تحسن شروط الاستثمار واستقرار العوامل المؤثرة فيه.

وعليه، فإن قراءة المشهد الحالي تقود إلى نتيجة مفادها أن ما نشهده اليوم أقرب إلى مرحلة تصحيح وتعديل في مسار النمو، تتداخل فيها عوامل ظرفية مع اختلالات بنيوية تحتاج إلى تدخلات استراتيجية. فاستعادة الزخم في قطاع البناء مرهونة بخلق بيئة قانونية أكثر وضوحا، وتحفيز مالي يراعي القدرة الشرائية للمواطن، وضمان شفافية أكبر في المعاملات العقارية، حتى يتحول الإسمنت من مؤشر على الركود إلى دليل على عودة الدينامية إلى القطاع.

إذا رغبت، أستطيع إعداد نسخة موازية بالفرنسية أو إضافة فقرة تحليلية أعمق تربط الموضوع مباشرة بسياسات الضرائب، حماية الملكية، أو تأثير القوانين الجديدة على سلوك المستثمرين والمواطنين.