ترامب يعلن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو: حين يتقاطع منطق القانون مع منطق القوة

0
224

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بيان أثار صدمة واسعة، أن الولايات المتحدة نفذت ما وصفه بـ«عملية واسعة النطاق» استهدفت فنزويلا وقيادتها السياسية، وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى خارج البلاد، دون الكشف عن طبيعة العملية أو الإطار القانوني الذي استندت إليه.

وأوضح ترامب، في منشور على منصة «تروث سوشيال»، أن العملية نُفذت بتنسيق مباشر مع أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية، مضيفًا أن تفاصيل إضافية ستُكشف في مؤتمر صحافي مرتقب بمنتجع مار-آ-لاغو. وحتى لحظة الإعلان، لم يصدر أي رد رسمي من الحكومة الفنزويلية أو منظمات دولية، ما زاد من غموض المشهد وفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وسياسية عميقة.

هذا التطور، إن تأكدت تفاصيله، لا يُعد مجرد حلقة جديدة في التوتر المزمن بين واشنطن وكاراكاس، بل يمثل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية المعاصرة، تعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا:
هل يحق لدولة، مهما بلغت قوتها، أن تعتقل رئيس دولة ذات سيادة؟ وبأي صفة؟

السيادة كقاعدة… والتدخل كاستثناء

من حيث المبدأ، يقوم النظام الدولي الحديث على مبدأ السيادة وعدم التدخل، كما ورد صراحة في ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص في مادته الثانية على المساواة في السيادة بين الدول، ويحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

بموجب هذا الإطار:

  • يتمتع رئيس الدولة بحصانة سيادية كاملة أثناء توليه مهامه.

  • لا يجوز اعتقاله أو إخضاعه لإجراءات قسرية من قبل دولة أخرى، إلا في حالات استثنائية ومضبوطة.

الاستثناءات المعترف بها دوليًا تظل محدودة، أبرزها:

  1. تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع.

  2. الدفاع الشرعي عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح مباشر.

وفي الحالة الفنزويلية، لا يوجد أي قرار صادر عن مجلس الأمن يجيز هذا النوع من التدخل، كما أن الاتهامات الموجهة إلى مادورو—مهما كانت خطورتها—لا تندرج قانونيًا ضمن مفهوم «الهجوم المسلح» الذي يبرر استخدام القوة خارج الحدود.

الحصانة الرئاسية بين النص والممارسة

تؤكد اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، إلى جانب العرف الدولي المستقر، أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة شخصية مطلقة (Immunity ratione personae) أثناء توليهم المنصب، تشمل عدم التعرض للاعتقال أو المحاكمة أمام محاكم أجنبية.

ويرى فقهاء القانون الدولي أن هذه الحصانة لا تسقط إلا في حالتين:

  • انتهاء الولاية الرئاسية

  • أو المثول أمام محكمة دولية مختصة، مثل المحكمة الجنائية الدولية، وليس أمام قضاء وطني لدولة أخرى

من هذا المنظور، فإن أي إجراء أحادي الجانب يُتخذ ضد رئيس دولة في منصبه، خارج هذه الأطر، يُعد خرقًا صريحًا لقواعد النظام الدولي، حتى لو غُلّف بخطاب قانوني أو أمني.

الرواية الأمريكية: القانون الداخلي خارج حدوده

تستند واشنطن، في تعاملها مع نيكولاس مادورو، إلى لوائح اتهام صادرة عن القضاء الفيدرالي الأمريكي، تتعلق بتهم تهريب المخدرات و«الإرهاب المرتبط بالجريمة المنظمة». وقد سبق للإدارة الأمريكية أن رصدت مكافآت مالية ضخمة مقابل معلومات تؤدي إلى توقيفه.

غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في طبيعة الاتهامات، بل في تحويل القانون الوطني الأمريكي إلى أداة عابرة للحدود. فالقانون الدولي لا يعترف بأولوية التشريعات الداخلية على سيادة الدول الأخرى، ولا يمنح أي دولة حق تنفيذ مذكرات اعتقال داخل إقليم دولة ذات سيادة دون موافقتها.

هنا، يبرز التناقض بين منطق العدالة ومنطق القوة:
هل نحن أمام تطبيق للقانون، أم أمام استخدام للقانون كذريعة سياسية؟

لماذا مادورو؟ سؤال الانتقائية

يطرح هذا الحدث سؤالًا لا يقل أهمية:
لماذا يُستهدف رئيس فنزويلا تحديدًا، بينما لا تُتخذ إجراءات مماثلة ضد رؤساء أو قادة في إفريقيا أو العالم العربي، رغم وجود اتهامات بانتهاكات جسيمة؟

الجواب، كما يرى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية، لا يرتبط بغياب النصوص القانونية، بل بـالانتقائية السياسية:

  • فنزويلا دولة معزولة نسبيًا

  • تخضع لعقوبات اقتصادية خانقة

  • خارج منظومة التحالفات الغربية

في المقابل، تتمتع دول أخرى بحماية غير معلنة، إما بسبب وزنها الجيوسياسي، أو دورها الإقليمي، أو ارتباطها بشبكات مصالح استراتيجية تجعل المساس بقيادتها مكلفًا.

بهذا المعنى، لا يُطبق القانون الدولي دائمًا كمنظومة محايدة، بل غالبًا ما يُقرأ ويُؤوَّل في ضوء ميزان القوى.

رسالة سياسية أم سابقة قانونية؟

إذا صحّ إعلان ترامب، فإن الحدث لا يؤسس لقاعدة قانونية جديدة بقدر ما يكرّس منطق الاستثناء الدائم، حيث تتحول القوة إلى أداة لإعادة تعريف الشرعية. وهو منطق يعيد إلى الأذهان تدخلات سابقة في تاريخ السياسة الأمريكية، حين تراجعت الاعتبارات القانونية أمام الحسابات الاستراتيجية.

السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه ليس فقط:

  • هل ما جرى قانوني أم لا؟
    بل:

  • من يملك حق تفسير القانون الدولي؟

  • ومتى يصبح الاستثناء هو القاعدة؟

خلاصة مفتوحة

إعلان اعتقال رئيس فنزويلا، إن تأكد، يتجاوز كونه خبرًا عاجلًا إلى كونه لحظة كاشفة لاختلالات النظام الدولي. لحظة تُظهر أن السيادة، في عالم اليوم، ليست مبدأً مطلقًا، بل مفهومًا تفاوضيًا يخضع لموازين القوة أكثر مما يخضع للنصوص.

وهي رسالة لا تخص فنزويلا وحدها، بل كل الدول التي تراقب بصمت كيف يمكن للقانون أن يتحول، في لحظة سياسية معينة، من درع للحماية إلى أداة للضغط.