مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثاني، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو الجبهة اللبنانية التي تحولت إلى محور تصعيد خطير يكشف عن أهداف استراتيجية أوسع لدى القيادة الإسرائيلية. فقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق ما نقلته وكالة رويترز، أن “إسرائيل لن تسمح بوجود تهديد صاروخي على حدودها الشمالية”، في إشارة واضحة إلى أن العمليات ضد لبنان، وبالتحديد ضد حزب الله، تأتي ضمن إطار الحرب الشاملة على النفوذ الإيراني في المنطقة، وليس كجبهة منفصلة.
تغيير قواعد الاشتباك
في هذا السياق، كشفت وكالة رويترز أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى في التصعيد الحالي “فرصة استراتيجية لتغيير قواعد الاشتباك” التي حكمت الحدود اللبنانية منذ حرب 2006، حيث تسعى تل أبيب إلى إبعاد قدرات حزب الله الصاروخية عن حدودها أو تقويضها بشكل كبير. وصرح وزير الدفاع الإسرائيلي، بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية نقلتها أسوشيتد برس، أن “الوضع الحالي لن يستمر”، مؤكدًا أن إسرائيل “تستعد لسيناريوهات أوسع” إذا استمر التهديد من الشمال.
الذراع الأكثر خطورة لإيران
من ناحية أخرى، أوضحت وكالة أسوشيتد برس أن إسرائيل تنظر إلى حزب الله باعتباره الذراع الأكثر خطورة لإيران، وبالتالي فإن استهدافه يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكة النفوذ الإيراني الإقليمي. وصرح مسؤولون إسرائيليون أن الحرب مع إيران “لن تكتمل دون تحييد حزب الله”، في مؤشر على أن الجبهة اللبنانية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحسابات العسكرية الإسرائيلية.
وفي المقابل، نفى الجانب الإيراني الرواية الإسرائيلية، حيث أكد مسؤولون في طهران، بحسب ما نقلته رويترز، أن حزب الله “حركة مقاومة مستقلة”، محذرين من أن أي تصعيد واسع في لبنان قد يؤدي إلى “حرب إقليمية شاملة”. كما شددت إيران على أن دعمها لحلفائها في المنطقة سيستمر، ما يعزز من احتمالات توسع الصراع.
دعم وتحذير أمريكي
على الصعيد الدولي، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق ما نقلته رويترز، إن الولايات المتحدة “تدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، لكنه حذر في الوقت ذاته من “خطر توسع الحرب إلى جبهات جديدة”، في إشارة إلى القلق الأمريكي من انفجار الوضع في لبنان. وأفادت صحيفة واشنطن بوست أن واشنطن تمارس ضغوطًا خلف الكواليس لمنع انزلاق الأمور إلى حرب شاملة مع حزب الله، نظرًا لما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية واسعة.
وتشير تقارير الصحف الإسرائيلية، مثل هآرتس، إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة للتصعيد هو إعادة تشكيل الواقع الأمني في شمال إسرائيل، حيث تسعى الحكومة إلى خلق “منطقة عازلة غير رسمية” عبر الضغط العسكري، بما يضمن تقليل خطر الصواريخ على المستوطنات الحدودية. وصرح مسؤول أمني إسرائيلي، وفق ما نقلته هذه الصحف، أن “الفرصة الحالية قد لا تتكرر”، في إشارة إلى استغلال انشغال إيران في المواجهة المباشرة.
كما أفادت وكالة رويترز أن القيادة الإسرائيلية تعتقد أن انخراط حزب الله في الحرب إلى جانب إيران يمنحها مبررًا دوليًا لتوسيع عملياتها، خاصة في ظل تصنيف الحزب كمنظمة مسلحة من قبل عدة دول غربية. ويعزز هذا التقدير رغبة إسرائيل في توجيه ضربات استباقية تهدف إلى تقليص قدرات الحزب قبل أن يتمكن من فتح جبهة واسعة النطاق.
سلاح ذو حدين
رغم هذه الحسابات، تحذر تقارير دولية من أن التصعيد في لبنان قد يكون سلاحًا ذا حدين. فقد أوضحت أسوشيتد برس أن حزب الله يمتلك ترسانة صاروخية كبيرة وقدرات قتالية متقدمة، ما يجعل أي مواجهة شاملة مكلفة للغاية لإسرائيل. كما أشارت تقارير إلى أن البنية التحتية اللبنانية الهشة قد لا تتحمل حربًا جديدة، ما يرفع من المخاطر الإنسانية والسياسية.
بالمجمل، تكشف أهداف القيادة الإسرائيلية من التصعيد ضد لبنان عن استراتيجية متعددة الأبعاد: ردع فوري، وتفكيك طويل الأمد لنفوذ إيران، وإعادة رسم قواعد الاشتباك في الشمال. وبينما تؤكد إسرائيل، كما صرح نتنياهو، أن أمنها “غير قابل للتفاوض”، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن هذه الجبهة قد تتحول إلى نقطة اشتعال رئيسية قد تحدد مسار الحرب بأكملها، خاصة إذا ما انزلقت إلى مواجهة شاملة مع حزب الله.


