قراءة تحليلية في أطروحة الأستاذ عبد الرحيم الرماح
عبد الرحيم الرماح – رئيس المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية
لا يمكن مقاربة موضوع مدونة الشغل في المغرب باعتباره مجرد نص قانوني صدر سنة 2003 وانتهى النقاش حوله، بل هو مسار تشريعي طويل تراكم عبر مراحل سياسية ومؤسساتية متعددة، وظل موضوع تفاوض وضغط وتوازنات بين الدولة والنقابات وأرباب العمل.
هذا هو المدخل الذي ينطلق منه الأستاذ عبد الرحيم الرماح في طرحه، حيث يستحضر التاريخ التشريعي للمدونة منذ مشاريع 1994 و1995، وما رافقها من سحب وتعديل وضغط اجتماعي واقتصادي، وصولاً إلى التوافق الثلاثي الذي أُعلن عنه سنة 2003 باعتباره إنجازاً جماعياً بين الأطراف الاجتماعية.
أولاً: قراءة في خلفية الطرح
يشير الرماح إلى أن التوافق الذي تم سنة 2003، والذي تُرجع مرجعيته إلى عمل اللجنة الموضوعاتية الثلاثية، لم يكن مجرد توافق تقني بل كان تسوية سياسية واجتماعية في سياق مرحلة انتقالية.
وهو يحيل إلى المراجع القانونية، ومنها المادة 586 من مدونة الشغل وكتاب التشريع الاجتماعي للدكتور امحمد الأمراني زنطار، لتأكيد أن النص كان ثمرة مسار تراكمي وليس قراراً معزولاً.
لكن الرسالة المركزية في طرحه اليوم ليست إعادة فتح النقاش حول شرعية المدونة، بل طرح سؤال مختلف:
لماذا بقيت كثير من مقتضياتها غير مفعّلة رغم مرور أكثر من عقدين على صدورها؟
هنا ينتقل التحليل من مستوى النص إلى مستوى التطبيق، وهو التحول الأهم في خطاب الرماح.
ثانياً: تشخيص الإشكال الحقيقي – التطبيق قبل التعديل
يرى صاحب الطرح أن الإشكال الجوهري لا يكمن فقط في النص القانوني، بل في ضعف آليات تفعيله على أرض الواقع.
ومن خلال استعراضه لـ20 مادة مفصلية، يتضح أنه لا يطالب بإلغاء أو إعادة صياغة جذرية، بل يدعو إلى:
-
تفعيل المواد المعطلة
-
إصدار دلائل تفسيرية
-
تقوية المؤسسات الرقابية
-
وتوحيد منهجية التطبيق عبر لجنة ثلاثية
وهذا يعكس قراءة عملية أكثر منها سياسية، إذ يعتبر أن المدونة تمتلك مرونة قانونية كافية لكنها تعاني من خلل في التنفيذ.
ثالثاً: ماذا تكشف المواد الـ20 التي ركّز عليها؟
اختيار هذه المواد ليس عشوائياً، بل يعكس تصوراً محدداً حول نقاط الضعف البنيوية في منظومة علاقات الشغل.
1. حماية الفئات الهشة داخل القطاع العام (المادة 3)
يدعو إلى إخضاع فئات غير مهيكلة – مثل عمال الإنعاش والعرضيين – لمقتضيات الحماية القانونية، ما يعني أن الفجوة بين النص والتطبيق تشمل حتى القطاع العمومي.
2. التكوين المستمر وتعميم بطاقة الشغل (المادة 23)
يربط بين التوثيق القانوني للعمال وبين الاستثمار في الكفاءة المهنية، في إشارة إلى أن غياب البيانات المنظمة يضعف الحماية القانونية.
3. عقود المناولة والباطن (المواد 86-91)
التحذير هنا واضح: بدون إلزام صارم باحترام دفاتر التحملات، تتحول المناولة إلى وسيلة لتهريب المسؤولية الاجتماعية.
4. تفعيل المفاوضة الجماعية (المادة 101)
الرماح يعتبر أن ضعف المفاوضة الجماعية يفرغ فلسفة التوازن داخل المقاولة من محتواها.
5. حقوق المرأة والحماية الاجتماعية
اللافت أن النصوص موجودة، لكن التحدي في التطبيق، ما يعني أن المشكلة ثقافية ومؤسساتية بقدر ما هي قانونية.
6. الصحة والسلامة المهنية
مرحلة جائحة كورونا كشفت هشاشة تطبيق مواد الحماية الصحية، وهو استدلال عملي يستند إلى تجربة واقعية.
7. تعميم بيانات الأجر
هذه النقطة تربط بين الشفافية المالية، وحماية حقوق الأجير، وحماية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
8-9. لجان السلامة وطب الشغل
الرسالة هنا واضحة: الهياكل موجودة قانونياً لكنها غالباً غير مفعّلة أو شكلية.
10. الحلوان في المقاهي والفنادق
إشارة دقيقة إلى قطاع يشهد نزاعات مستمرة بسبب غياب الضبط الواضح لتوزيع الموارد الإضافية.
11. حماية الأجير بالأجر الإنتاجي
تشديد على ضرورة احترام الحد الأدنى للأجر حتى في نظام الأداء المرتبط بالإنتاج أو القطعة.
12. دعم النقابات
طرح حساس، لأنه يربط بين الاستقلالية النقابية والدعم المؤسسي والرقابة، لتفادي اتهامات التسييس أو الضعف البنيوي.
13 إلى 16. تفعيل المجالس والمؤسسات الوطنية والجهوية
هذه نقطة استراتيجية في خطاب الرماح، إذ يرى أن النص أنشأ مؤسسات تخطيط وتنسيق، لكنها لم تتحول إلى آليات فاعلة على المستوى الترابي.
17. تقوية جهاز تفتيش الشغل
هنا ينتقل الخطاب إلى جوهر الرقابة، باعتبار أن أي إصلاح بدون تعزيز سلطة المراقبة يبقى محدود الأثر.
18. التشغيل المؤقت
الدعوة إلى توضيح الحدود بين المؤقت والدائم، لتجنب استغلال الثغرات القانونية.
19 و20. لجان المصالحة الوطنية والإقليمية
إعادة الاعتبار لآليات الحوار قبل النزاع القضائي، مع احترام الهيكلة والتركيبة القانونية.
رابعاً: ماذا يريد الرماح فعلياً من هذا الطرح؟
من خلال القراءة التحليلية، يمكن استنتاج أن رسائل النص تتجه نحو ثلاث دوائر:
1. رسالة إلى الحكومة
أن الإصلاح لا يعني فقط تعديل القانون، بل تطبيقه بشكل مؤسساتي.
2. رسالة إلى النقابات
أن دورها يجب أن يتحول من المطالبة النصية إلى مراقبة التنفيذ والتأطير الميداني.
3. رسالة إلى أرباب العمل
أن احترام المدونة ليس عبئاً تشريعياً بل شرط استقرار اجتماعي واستدامة اقتصادية.
خامساً: التعديلات المقترحة – هل هي مراجعة شاملة؟
الرماح لا يدعو إلى نسف المدونة، بل إلى:
-
رفع الغرامات
-
تقوية جهاز التفتيش
-
تنظيم العمل عن بعد
-
تعديل المادة 193 المتعلقة بالحراسة
-
مراجعة مسطرة الانتخابات المهنية
وهو بذلك يطرح إصلاحاً جزئياً مكملاً، لا انقلاباً تشريعياً.
كما يقترح منهجية حوار ثلاثي جهوي تنتهي بمناظرة وطنية، ما يعكس إصراراً على أن الإصلاح يجب أن يكون تشاركياً وليس فوقياً.
الخلاصة التحليلية
أطروحة الأستاذ عبد الرحيم الرماح ليست مجرد قراءة تقنية لمواد قانونية، بل هي تشخيص سياسي-اجتماعي لمعضلة التنفيذ في المنظومة التشريعية المغربية.
جوهر فكرته يمكن اختصاره في معادلة واضحة:
المشكلة ليست في غياب النص… بل في ضعف التطبيق والمؤسسات الضامنة له.


