تعليق الاعتراف بـ”الجمهورية المزعومة”: لاباز تعيد التموضع والرباط تكسب جولة جديدة

0
63

في خطوة تبدو تقنية في ظاهرها لكنها سياسية بامتياز في عمقها، أعلنت دولة بوليفيا تعليق اعترافها بما يُعرف بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” المزعومة، واستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع المملكة المغربية. القرار جاء عقب اتصال هاتفي جمع وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره البوليفي فرناندو أرامايو، غير أن دلالاته تتجاوز حدود هذا الاتصال لتلامس تحولات أوسع في خريطة المواقف الدولية من هذا النزاع الإقليمي.

البيان المشترك الصادر عقب الاتصال لم يترك مجالًا للالتباس، إذ أشار إلى أن بوليفيا، انسجامًا مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025)، أعادت تقييم سياستها الخارجية وقررت تعليق العلاقات الدبلوماسية مع الكيان المزعوم ووقف أي اتصال رسمي معه، مؤكدة أنه لا يتمتع بأي اعتراف كدولة عضو في منظمة الأمم المتحدة. هذا التوصيف ليس تفصيلًا لغويًا، بل يحمل في طياته إعادة ضبط للموقع القانوني والسياسي لهذا الكيان في ميزان الشرعية الدولية.

من الاعتراف الرمزي إلى التموضع الواقعي

لسنوات، ارتبط موقف بوليفيا من “الجمهورية المزعومة” بسياقات أيديولوجية تعود إلى مرحلة المدّ اليساري في أمريكا اللاتينية، حيث طغت لغة التضامن العابر للقارات على حسابات الواقعية السياسية. غير أن القرار الأخير يعكس انتقالًا واضحًا من مقاربة رمزية تجاه كيان غير معترف به أمميًا، إلى مقاربة براغماتية تنسجم مع المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة.

فالحديث في البيان عن دعم “حل سياسي واقعي وبراغماتي ودائم قائم على التوافق” يعني عمليًا تبنّي المرجعية الأممية التي لا تعترف بـ”الجمهورية المزعومة” كدولة قائمة، بل تعتبر النزاع ملفًا سياسيًا يحتاج إلى تسوية تفاوضية ضمن إطار الشرعية الدولية.

دلالة الإحالة إلى قرار مجلس الأمن 2797 (2025)

الإشارة الصريحة إلى قرار مجلس الأمن ليست مجرد إحالة بروتوكولية، بل تعكس تموضعًا واعيًا داخل الإطار الذي حدده المجلس لمعالجة النزاع. فالقرارات الأممية المتعاقبة تؤكد على حل سياسي متوافق عليه، دون إضفاء صفة الدولة على الكيان المزعوم.

وعندما تربط بوليفيا مراجعتها لهذا الاعتراف بمرجعية مجلس الأمن، فإنها بذلك تسحب الغطاء السياسي عن اعتراف سابق كان يمنح، ولو رمزيًا، شرعية لكيان لا يتمتع باعتراف أممي ولا بعضوية دولية كاملة.

صفحة جديدة بين الرباط ولاباز

القرار لم يتوقف عند حدود تعليق الاعتراف بـ”الجمهورية المزعومة”، بل فتح الباب أمام استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ولاباز، مع الاتفاق على الشروع في إجراءات إحداث بعثات دبلوماسية مقيمة في العاصمتين. هذه الخطوة تحمل بعدًا استراتيجيًا، إذ تنقل العلاقة من حالة القطيعة إلى منطق الشراكة الثنائية.

بالنسبة للمغرب، يشكل القرار تعزيزًا لدينامية دبلوماسية متواصلة تقوم على تقليص عدد الدول التي تعترف بالكيان المزعوم، وترسيخ مقاربة الحل السياسي الواقعي. أما بالنسبة لبوليفيا، فهو إعادة تموضع في ضوء التحولات الإقليمية والدولية، بعيدًا عن الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية.

ما وراء القرار: إعادة رسم خريطة الاعترافات

بعيدًا عن لغة البيانات الرسمية، يكشف القرار عن مسار أعمق: تضييق المساحات السياسية أمام “الجمهورية المزعومة” على المستوى الدولي، وتعزيز منطق الواقعية داخل مجلس الأمن. فالنزاع لم يعد يُقارب فقط من زاوية الشعارات، بل من زاوية الاستقرار الإقليمي، والشرعية الدولية، وإمكانية الوصول إلى تسوية قابلة للتطبيق.

هكذا يتحول قرار تعليق الاعتراف بـ”الكيان المزعوم” من مجرد إجراء دبلوماسي إلى مؤشر على إعادة ترتيب المواقف الدولية. وبين سطور هذا التحول، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: تقليص الاعترافات الرمزية، وتعزيز المرجعية الأممية، وإعادة توجيه البوصلة نحو حل سياسي واقعي ودائم.