في سياق سياسي يتّسم بتزايد حدّة الخطاب وتراجع منسوب الثقة بين مكوّنات المشهد البرلماني، جاءت تغريدة عبد الله بوانو، رئيس الفريق النيابي للعدالة والتنمية، لتعكس ما يتجاوز “حادثة لفظية” وقعت خلال جلسة الأسئلة الشفوية ليوم 1 دجنبر 2025، وتفتح الباب أمام قراءة أعمق لحدود الخطاب السياسي وتوازن السلطة داخل البرلمان.
بوانو، في تغريدته، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يسعى إلى تأطير ما حدث ضمن أزمة بنيوية في تدبير النقاش البرلماني، وهو ما يجعل من هذا التصريح مادة للنقاش العمومي أكثر من كونه ردّ فعل سياسي.
1. البرلمان بين حيوية النقاش وانفلات الخطاب
يشير بوانو إلى أن الجدل داخل البرلمانات الحية أمر طبيعي، بل ضروري لإغناء الممارسة الديمقراطية. غير أنّ ما وقع، بحسبه، تجاوز حدود “النقاش الحيوي” إلى تجريح لفظي صادر عن وزير يفترض فيه الانضباط والسلوك المسؤول.
هذا التوصيف ليس عابرًا؛ فهو يعكس إحساسًا متناميًا داخل المعارضة بأن الخطاب الحكومي يميل إلى الانفعال أكثر من الحجاج، وإلى الاستفزاز أكثر من النقاش.
وهنا تبرز أولى الأسئلة التحليلية: هل بات البرلمان المغربي يعيش أزمة لغة قبل أن يعيش أزمة أداء؟
2. إدارة الجلسة… أزمة حياد أم خلل متكرر؟
تغريدة بوانو وجهت نقدًا مباشرًا لرئيس الجلسة، معتبرة أن تدبيره للنقاش ساهم في إذكاء التوتر عبر خرق النظام الداخلي.
هذا الاتهام ليس تفصيلاً؛ فهو يعيد النقاش حول حياد رئاسة الجلسة، وهي مؤسسة يفترض فيها أن تكون الضامن الأول لتهذيب النقاش وتوجيهه.
وتفتح هذه النقطة سؤالًا جوهريًا:
إلى أي مدى يستطيع البرلمان الحفاظ على استقلالية التسيير في ظلّ تجاذبات حزبية متزايدة؟
3. الاعتذار… خطوة مهمة لكنها غير كافية
أشار بوانو إلى أن وزير العدل قدّم اعتذارًا للبرلماني عبد الصمد حيكر وللفريق النيابي.
ورغم أن هذا الاعتذار يمثّل سلوكًا حضاريًا ويعيد جزءًا من التوازن، فإن النائب الإسلامي يؤكد أن “الأثر النفسي يستمر”، وأن المسؤولية تقتضي تحويل الحادث إلى درس سياسي لا مجرد صفحة تُطوى.
وحين يقول بوانو:
“الكلمة مسؤولية تتجاوز صفة قائلها”
فهو يضع يده على جوهر الأزمة:
هل تراجع الوعي بخطورة الخطاب داخل المؤسسات التمثيلية؟
4. المعارضة وواجب الثبات في الموقف
رغم حدة التوتر، شدّد بوانو على أن فريقه النيابي لن يتراجع عن لعب دوره الرقابي، ولن يسمح بأن يتحول الانفعال السياسي إلى وسيلة لتخويف المعارضة أو تحجيمها.
في هذا الموقف، يظهر خلف خطاب بوانو رسالة سياسية واضحة:
أن المعارضة تعتبر ما وقع جزءًا من محاولات الحد من قوتها داخل البرلمان، وأن ردّها سيكون عبر تكثيف الرقابة والترافع.
هنا تبرز زاوية تحليلية مهمة:
هل شكل الحادث نقطة انعطاف ستقود إلى مزيد من الاستقطاب داخل البرلمان؟
5. ما الذي تقوله تغريدة بوانو عن “اللحظة” السياسية؟
تغريدة واحدة، وإن بدت بسيطة، تكشف عن عدة مؤشرات سياسية أعمق:
-
تآكل لغة الاحترام المتبادل داخل البرلمان.
-
تراجع دور رئاسة الجلسة كضامن للانضباط.
-
توتر بنيوي بين الحكومة والمعارضة.
-
تزايد حاجة المشهد السياسي إلى “مدونة أخلاقية” للخطاب البرلماني.
كما أنّ الخطاب الحاد داخل الجلسة، وما تلاه من ردود فعل، يؤكد وجود لحظة احتقان سياسي تتجاوز الأشخاص إلى منظومة سياسية تحتاج إلى إعادة تهذيب سلوكها الخطابي.
خلاصة: تغريدة تكشف ما وراء الكلمات
لم تكن تغريدة عبد الله بوانو مجرّد توصيف لحادث، بل كانت بيانًا سياسيًا يعكس أزمة لغة وأزمة إدارة داخل البرلمان المغربي.
فالاعتذار كان خطوة إيجابية، لكنه لم ينجح في حجب الأسئلة المقلقة حول مستقبل الخطاب السياسي، وحول قدرة البرلمان على الاستمرار كفضاء يحترم ذكاء المواطن ويصون كرامة ممثليه.
وتظلّ الأسئلة المفتوحة:
-
هل سيؤدي الحادث إلى إعادة النظر في آليات تسيير الجلسات؟
-
هل سيدفع الفرق البرلمانية إلى وضع ضوابط أخلاقية للخطاب تحت القبة؟
-
أم أنّ المشهد السياسي يتّجه نحو مزيد من التوتّر الذي سيعمّق الهوة بين المؤسسة البرلمانية والمواطن؟


